اليوم : السبت 7 شوال 1441هـ الموافق:30 مايو 2020م
زيارة الجفري وجمعة للأقصى بين الحقائق والشبهات
تاريخ الإضافة: الجمعة 4 رجب 1433هـ

زيارة الجفري وجمعة للأقصى بين الحقائق والشبهات

موقع الصوفية - طلحة المسير

في خضم الأحداث المتلاحقة، والقضايا المتشابكة، ظهرت فجأة الدعوة للمسلمين من غير الفلسطينيين لزيارة المسجد الأقصى، وتسارعت فصول هذه الدعوة؛ لنجد الرئيس الفلسطيني محمود عباس ينبري في الإلحاح على نشر هذه الدعوة، ويكررها في كثير من المحافل الإقليمية والدولية، بل ونراه يحاول تدعيم موقفه باستخدام الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، بل وأكثر من ذلك؛ حيث نراه يتقمص دور أهل العلم، فيقوم بالرد على الفتاوى المتكاثرة التي تمنع المسلمين من خارج فلسطين من السفر لزيارة المسجد الأقصى طالما كان في ذلك رضوخ للحكم الصهيوني الغاصب.

ولكن ما إن سار محمود عباس في هذا الطريق حتى رأينا رمزين من رموز التصوف المعاصر يقومان بالاستجابة العملية لهذه الدعوة؛ حيث قام علي الجفري من اليمن بزيارة للمسجد الأقصى، ثم أعقب ذلك زيارة مفتي مصر علي جمعة للمسجد الأقصى.

وقد أثارت هاتان الزيارتان موجة من ردود الأفعال في الأوساط الدينية والثقافية، وأصبحت قضية زيارة المسجد الأقصى وهو تحت احتلال اليهود مثار جدل صاخب، وأصبح الكثير يتكلمون ويكتبون فيها بعلم وبغير علم، تمامًا كما يحدث مع كثير من القضايا المستجدة في ظل ثقافة الغوغائية التي تنتشر في المجتمعات(1).

ولأن هذا الموضوع متشعب، فستقتصر هذه المقالة على الإشارة إلى الأسباب التي تدفع اليهود للسماح لبعض المسلمين من غير الفلسطينيين بزيارة القدس، ثم الإشارة لعلاقة بعض رموز التصوف ببعض الشبكات العالمية الغامضة، ثم رد بعض الشبهات التي تثار حول هذا الموضوع.

 

1- الأسباب التي تدفع اليهود للسماح لبعض غير الفلسطينيين بزيارة القدس

تقوم الحكومة الإسرائيلية بتضييق الخناق على الفلسطينيين، وتمنع عامتهم من زيارة المسجد الأقصى، سواء كانوا من الفلسطينيين الذين خرجوا من ديارهم إبان بدء الاحتلال اليهودي والقمع والترهيب الذي دفعهم للهجرة؛ فرارًا بدينهم وأنفسهم، أم كانوا ممن أحكم اليهود حصارهم في الضفة الغربية وقطاع غزة، بل حتى الفلسطينيين الذين يعيشون داخل الأرض المحتلة عام 1948م، وكذلك الذين يعيشون في نفس مدينة القدس، بجوار المسجد الأقصى، يمنعهم اليهود من زيارة المسجد الأقصى، ولا يسمحون لأحد من مسلمي القدس بالدخول إلا بشروط كثيرة؛ من أهمها أن يكون في مرحلة عمرية متقدمة.

وهذا الواقع بمجرده كفيل بأن يبعث الحذر في نفس كل من تتيسر له أسباب السفر للمسجد الأقصى من غير الفلسطينيين، خشية أن ينطلي عليه مكر اليهود وخبثهم، وحذرًا من أن يكون أداة يستخدمها الصهاينة في حرب الإسلام وأهله.

لماذا يمنع اليهود الفلسطينيين من زيارة المسجد الأقصى، في حين أنهم يسمحون للحبيب الجفري وهو شاب في الأربعين من عمره بزيارة المسجد الأقصى؟

والإجابة بداهة هي أن اليهود يمنعون كل من قد تسبب زيارته للمسجد الأقصى أدنى خطر عليهم، ويسمحون لبعض غير الفلسطينيين بالزيارة إذا تمكن اليهود من استغلال هذه الزيارة في تحقيق مآرب خاصة بهم.

والذي يظهر أن اليهود يحاولون تحقيق أحد الأهداف التالية:

أ- تغيير الوضع الدولي للقدس:

في سنة 1947م صدر من الأمم المتحدة القرار الظالم الذي يوصي بتقسيم فلسطين، ويدعي للمحتل اليهودي حقًّا في فلسطين، وينصح بإقامة دولتين؛ دولة عربية وأخرى يهودية، أما منطقة القدس فتمثل منطقة مستقلة تدار من قبل إدارة دولية تضمن حرية زيارة الأماكن الدينية لجميع من في فلسطين من عرب ويهود وللأجانب كذلك، مع المحافظة على الوضع الراهن للمدينة، ومنع أي عمل من شأنه تغيير طابعها، وفي سنة 1948م أعلن اليهود قيام دولتهم استنادًا على قرار التقسيم، وفي سنة 1949م قبلت الجمعية العامة للأمم المتحدة عضوية إسرائيل فيها، وأصبحت إسرائيل الدولة رقم 59 في منظمة الأمم المتحدة، وأكدت الأمم المتحدة دعوة إسرائيل إلى الالتزام بقرار التقسيم، وكان المسجد الأقصى إلى ذلك الحين بعيدًا عن سيطرة اليهود، وفي سنة 1967م احتل اليهود كامل فلسطين بما في ذلك المسجد الأقصى، خلافًا لقرار مجلس الأمن، ولذلك أصدر مجلس الأمن عام 1967م قرارًا يدعو إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلت في الصراع الأخير.

بهذا العرض المبسط يتبين أن الأمم المتحدة لم تعترف بحكم إسرائيل للمسجد الأقصى، وتدعوه في ذات الوقت للسماح للجميع بزيارة الأماكن الدينية.

 

- سبب وضع الأمم المتحدة للقدس تحت الحماية الدولية:

من المؤكد أن الأمم المتحدة اتخذت هذا القرار لأهداف عدائية، قد يكون منها:

* قطع أمل المسلمين في حكم مدينة القدس: وذلك بأن تجعل الدول العربية بين خيارين؛ فإما أن يقبلوا بحكم اليهود للقدس، وإلا فليطالبوا بحكم الأمم المتحدة لها وفق قرار الأمم المتحدة، أما أن يحكم المسلمون القدس فهذا غير مطروح بتاتًا عند من يدير موائد المفاوضات في أروقة الأمم المتحدة.

* مراعاة موازين القوى العالمية: حيث شهد العالم قبيل تلك السنوات أحداث الحرب العالمية الثانية، التي غيرت موازين القوى العالمية، وظهر نتيجة لذلك المعسكر الشرقي كنِدٍّ وحيد للمعسكر الغربي، وعمل كل معسكر منهما على بسط نفوذه في أماكن انتشار الآخر، وكان التصريح بإعطاء القدس لليهود يعني إهداء فرصة للمعسكر الشرقي لاستمالة دول الشرق الأوسط؛ بحجة دعم موقفها إزاء العدوان الغربي واليهودي.

* وضع نصيب للنصارى في مدينة القدس: حيث إن القدس يحوي كنيسة القيامة، وهي كنيسة لها قدسيتها عند كثير من النصارى، كما أن فلسطين عامة فيها كثير من الأماكن التي يعتقد النصارى لها قدسية خاصة، وبذلك فإن نص الأمم المتحدة على دولية المدينة فيه تمكين للنصارى يفوق ما قد يحصلون عليه وهي تحت حكم اليهود.

* الضغط على اليهود: حتى تصبح مدينة القدس واحدة من القضايا التي يمكن استغلالها في مواجهة النفوذ اليهودي الذي قد يضر بكثير من القوى العالمية، تلك القوى التي وإن أظهرت التأييد لليهود فإنها تخشى في الحقيقة من أن تصبح إسرائيل ندًّا لها، قال تعالى: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ}(2).

* الخوف من غضب المسلمين: حيث إن المسلمين رغم ضعفهم الظاهر، تبقى لهم هيبة تلقي في قلوب أعداء المسلمين الرعب، قال تعالى: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ}(3)، وهذه الهيبة تجعل كثيرًا من الأعداء يستخدم طريقة الحرب على مراحل؛ حيث يحصل في كل مرحلة على بعض ما يريد؛ خوفًا من حصول بركان إسلامي يدمر ما انتهبوه منذ مئات السنين .

* استدراج المسلمين بهذه القرارات: وذلك بأن تكون هذه القرارات التي تخدع المسلمين ببعض حقوقهم، سببًا في ركون بعض المسلمين إلى هذه الهيئات الطاغوتية، والرضا بالتحاكم إليها، واعتقاد أنها وسيلة أنجح وأأمن من وسائل الجهاد والمقاومة، مما ييسر على اليهود التدرج في تحقيق بقية أطماعهم التي لا تنتهي قطعًا عند القدس ولا فلسطين.

- واليهود يسعون منذ أكثر من مائة عام بخطط دؤوبة إلى تحقيق طموحاتهم، تلك الخطط التي يتم تنفيذها في مراحل متتابعة، تستغرق كل مرحلة زمنًا ليس باليسير، ولذلك لا نعجب إذا علمنا أن اليهود احتلوا الجزء الأول من القدس وهو ما يسمى بالقدس الغربية عام 1948م، وفي عام 1967م أكملوا احتلال القدس واستولوا على المسجد الأقصى، وفي عام 1980م أعلنوا قرار ضم القدس واعتبار القدس عاصمة أبدية لدولة إسرائيل، وهذا القرار لم يلق تجاوبًا دوليًّا وقتها، ولم تقره الأمم المتحدة، ويستخدم اليهود منذ أمد سياسة الأمر الواقع لتقرير احتلالهم القدس، ويحاولون استصدار اعتراف من الأمم المتحدة بهذا الوضع، وكذلك يحاولون إقناع دول العالم بالاعتراف بهذا الوضع عبر نقل سفاراتها إلى القدس.

ولذلك فإن زيارة رموز التصوف للقدس من الأدلة التي تجمعها إسرائيل؛ لتدعي حمايتها لأماكن العبادة، وفتحها أمام الزوار من مختلف بلدان العالم، ومن المؤسف أن تصريحات مفتي مصر علي جمعة، تخدم هذه الخطة الإسرائيلية بشدة؛ حيث صرح بأنه لم يحصل على تأشيرة منهم، ولا ختموا على جواز سفره، بل ولا رأى واحدًا منهم، وهذا عين ما يطلبه اليهود، تصريح من رجل دين يشهد لهم بعدم الحجر على المسلمين، وبسعيهم في تيسير زيارة المسلمين للقدس(4).

 

ب- التستر على جرائمهم القائمة والقادمة:

يرتكب اليهود يوميًّا الكثير من الجرائم في حق إخواننا المسلمين في فلسطين؛ من قتل، واعتقال، وتهويد، واستيطان، وحفريات، وحصار، وتجريف، وتدمير... إلى غير ذلك من جرائم يندى لها الجبين، ولكن اليهود قوم بهت، يستحلون الحرام بأدنى الحيل، ولا يخجلون من تقديم التبريرات الواهية المضحكة؛ ولذلك فالكيان الصهيوني قد يستخدم هذه الزيارات للترويج لدعوى محافظته على حقوق الإنسان والأديان، وفي ذات الوقت لا يستبعد أن تزداد وتيرة الإجرام اليهودي في فلسطين، بل ولا يستبعد أن يتم عمل عدواني ضد بنيان المسجد الأقصى، أو تمكين لليهود من بعض أجزائه المخصصة للمسلمين.

 

ت- التطبيع:

يهتم اليهود كثيرًا بمسألة التطبيع مع الدول العربية، ويسعون في ذلك سعيًا حثيثًا، لأهداف من أهمها إفساد المسلمين، ونشر ثقافة الفجر والإلحاد بينهم، واختراق بنيانهم، قال تعالى: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا}(5)، وأخبر الله جل وعلا أن من صفات اليهود الإفساد في الأرض، قال سبحانه وتعالى: {وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}(6)، وقال جل وعلا: {وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}(7)، وقد عملوا بدأب منذ أمد على التغلغل في البلاد المحيطة بهم، عبر عدد من الوسائل؛ منها أفواج السياح التي ترتع في تلك البلدان حيث شاءت.

ومع بزوغ الثورات العربية اضطربت كثير من مخططاتهم، وتغيرت كثير من المعطيات المحيطة بهم، وفي فتح باب زيارة الأقصى للمسلمين من غير الفلسطينيين فرصة كبيرة للتغلغل بين المسلمين، واختراق صفوفهم، وإضعاف روح العداوة المتوقدة في قلوب المسلمين تجاه اليهود، واستقطاب العملاء والجواسيس، ونشر الفساد الخلقي بين المسلمين، وتنشيط الاقتصاد اليهودي وتدعيمه.

إن اليهود ليسوا بهذه السذاجة التي يتصورها البعض؛ حيث يصورون الزيارة بأنها رباط في المسجد الأقصى الذي بارك الله فيه للعالمين، ودعم لأهل القدس المناضلين، وتكثير لسواد المسلمين، ونكاية في اليهود الغاصبين...!!!

2- علاقة بعض رموز التصوف ببعض الشبكات العالمية الغامضة

ليست هذه هي المرة الأولى التي تطرح فيها قضية زيارة المسجد الأقصى وهو تحت الاحتلال اليهودي، بل القضية مطروحة منذ أمد بعيد، وأصدر شيخ الأزهر الشيخ جاد الحق فتوى بالمنع منذ سنين طويلة.

وأصبح الواقع العملي يرفض هذه الزيارات منذ أمد بعيد، واستقر هذا الأمر عند الدعاة والسياسيين، بل والشعوب نفسها.

فما الجديد إذن؟

الجديد أن زيارة الجفري وجمعة تأتيان في سياق مريب، وتزامن غريب، ومخططات لم تتضح أبعادها بعد.

فما الذي يربط بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وأمراء الأردن هاشم بن الحسين وغازي بن محمد، ومرافقيهما الجفري وعلي جمعة؟

وما الذي يدعو نصارى مصر لتكثيف زياراتهم للقدس الآن؟

وما الجهة التي تعمل في فلسطين والأردن ومصر واليمن؟

ولماذا لم يؤيد هذه الزيارات غالبًا سوى من لا يؤتمنون في مثل هذه المواقف؛ إما لسيرتهم غير المرضية، أو لمنصبهم الحكومي، أو لجهلنا بحالهم؛ مثل البوطي، ووزير الأوقاف الفلسطيني، ومستشار ملك الأردن، ورئيس رابطة العالم الإسلامي، وبيان منسوب لعلماء البلقان، وآخر لما يسمى بمجلس المواصلة بجنوب شرق آسيا؟

ولماذا ترحب إسرائيل بهذه الزيارات، ولا تضع أمامها أدنى العراقيل، بل ولا تؤخر الإجراءات الإدارية؟

إننا لا نستطيع أن نعرف حقيقة الاتصالات التي تدور، ولكننا نضع نصب أعيننا أن الجفري كان ضمن الفريق الذي أسهم في تطبيع العلاقات مع الدنمارك إبان أزمة الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم بزيارته المشهورة للدنمارك مع عمرو خالد وطارق السويدان، وأن الجفري له علاقة بمشاريع ثقافية مشبوهة، تدور حول ما يسمى حوار الأديان والحضارات في مثل: مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي بالأردن، مما دفع مؤسسة أوجن بيسر الألمانية إلى تكريمه تقديرًا لمساهمته في الحوار الإسلامي المسيحي، وبذله الجهود من أجل السلام بين الشعوب.

وكذلك علي جمعة لا ننسى زيارته الشهيرة لأعضاء نادي الليونز الماسوني بالقاهرة واحتفاله بعيد ميلاده معهم، وكذلك حصوله على الدكتوراه الفخرية من جامعة ليفربول في بريطانيا، ومشاركته في كثير من الأنشطة الثقافية المقلقة، مثل ندوة تحديات الإسلام المعتدل: المؤسسة الدينية المصرية ضد التطرف، التي عقدها معهد السلام الأمريكي.

وقد صدرت دراسة بعنوان: ولتستبين سبيل المجرمين، أعدها الدكتور محمد يسري، ترصد الجهود الغربية في احتواء الطرق الصوفية وتوجيههم لخدمة مخططات الغرب وأهدافهم.

إن هذه المعطيات جميعها تجعلنا نتوجس خيفة، عندما نرى تجمع العلمانية السياسية مع الصوفية الحركية، لينفردا بتوجيه العلاقة مع الكيان الصهيوني إلى وجهة جديدة غامضة في ظل أوضاع إقليمية متشابكة.

3- رد بعض الشبهات التي تثار حول هذا الموضوع

يقوم البعض بمحاولة جمع الشبهات وتكثيرها؛ ليبرر هذه الزيارات، بل وليجعلها بمنزلة الأمر المتعين على الأمة، الذي تأثم إن فرطت فيه.

وممن قاموا بهذه المهمة الحبيب الجفري؛ حيث ذكر في موقعه على الشبكة العنكبوتية عددًا من الشبه التي يبرر بها موقفه، وهذا عرض لأهمها:

 

أ- فضيلة شد الرحال إلى المسجد الأقصى:

يستدل الجفري بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي، وَالمَسْجِدِ الْأَقْصَى»(8).

وهذا الحديث في غير محل النزاع؛ لأن النزاع ليس في أصل حكم الزيارة، بل في وضع استثنائي، وهو الزيارة التي تقوي موقف اليهود الغاصبين، وتفتح لهم الباب أمام اختراق الأمة الإسلامية، وتجعل الزائر خاضعًا لسلطان أهل الحرب، متقيدًا بنظمهم الطاغوتية.

ومناط المسألة هو: هل يسوغ الوقوع في هذه المخالفات في سبيل تحصيل فضيلة الصلاة في المسجد الأقصى؟ ومثال ذلك: هل تجوز السرقة لتحصيل نفقة السفر إلى المسجد الحرام؟

إذن الاستدلال بأحاديث شد الرحال استدلال في غير محل النزاع.

 

ب- حصول الإسراء إلى المسجد الأقصى وهو تحت حكم الرومان:

وهذا أيضًا حيدة عن أصل القضية، فقد كان إسراء النبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى آية من الله جل وعلا أيد بها نبيه صلى الله عليه وسلم، ولم يكن هناك أدنى سلطان للروم على النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تطبيع، ولا رأي لهم أصلًا، بل كان هذا بقوة الله جل وعلا القاهرة، فأين هذا من ذاك؟

 

ج- أداء النبي صلى الله عليه وسلم عمرة القضاء ومكة تحت حكم كفار قريش:

يقول الجفري: "اعتمر عمرة القضاء مع الصحابة، ومكة تحت حكم كفار قريش، واعتمر وصلى والأصنام منصوبة في الكعبة وحواليها، والتزم بشروط كفار مكة في الزيارة، فلم يكن ذلك تطبيعًا ولا استسلامًا".

وهذا أيضًا قياس مع الفارق، فالنبي صلى الله عليه وسلم خرج معتمرًا قاصدًا مكة، يسبقه الرعب الذي ينزل في قلوب مشركي مكة من خوفه ومهابته، قال صلى الله عليه وسلم: «نصرت بالرعب مسيرة شهر»(9)، وكان قاصدًا للعمرة رغم أنف قريش، ففي حديث صلح الحديبية، قال صلى الله عليه وسلم: «أشيروا أيها الناس علي، أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت... فقال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامدًا لهذا البيت، لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه. فقال صلى الله عليه وسلم: امضوا على اسم الله»(10).

وعندما أراد كفار قريش التفاوض مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرجع في عام الحديبية ويعود من العام القادم، ظهر فزعهم من المسلمين، فهذا عروة بن مسعود ينوب عن قريش في التفاوض مع النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول له: «أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك»(11).

وقبل صلح الحديبية أكد النبي صلى الله عليه وسلم أن تعظيم حرمات الله هو الأصل الذي لا محيد عنه، قال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها»(12).

وكان النبي صلى الله عليه وسلم مطمئنًا إلى تأييد الله ونصره، قال صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب لما سأله عن صلح الحديبية: «يا ابن الخطاب، إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبدًا»(13).

ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عزيزًا شامخًا، ودخل معه أصحابه أعزة شامخين، ولهذه العزة مظاهر كثيرة ، من أبهجها حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: «إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء، وعبد الله بن رواحة بين يديه يمشي، وهو يقول:

خلوا بني الكفار عن سبيله *** اليوم نضربكم على تنزيله

ضربًا يزيل الهام عن مقيله *** ويذهل الخليل عن خليله

فقال له عمر: يا بن رواحة، بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي حرم الله تقول الشعر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: خل عنه يا عمر، فلهي أسرع فيهم من نضح النبل»(14).

بل إنه صلى الله عليه وسلم لما بلغ يَأجُج، وهي منطقة شمال التنعيم لا تبعد عن الحرم سوى قرابة عشرة كيلو متر، وضع الأسلحة مثل المجان والنبل والرماح، وخلف عليها أوس بن خولي الأنصاري في مائتي رجل، ودخل بسلاح الراكب: السيوف في القرب(15)، أي أنه أخذ الحيطة التي ترهب كفار قريش من التفكير في الغدر بهم.

فكيف تتأتى المقارنة بين هذه العزة وتلك الزيارات التي يستغلها اليهود في خدمة أغراضهم الخبيثة؟

 

د- ادعاء وجود مصلحة في الزيارة تفوق المفاسد المترتبة عليها:

حاول الجفري أن يسوق عددًا من المصالح التي يظنها دليلًا على صحة فعلته، ومن ذلك قوله: "لا يذهب عاقل سليم الذوق إلى تلك المواطن إلا ويزداد رفضاً للظلم والاحتلال...، المسجد الأقصى الذي صار شبه مهجور من المسلمين بسبب خوف التطبيع...، المرابطون يعانون العزلة والتضييق عليهم نفسيًا واقتصادياً وأمنياً، وقد غادر البعض منهم القدس لشدة الحاجة ولم يعد الأمر سهلاً على الفلسطيني في الضفة أو غزة أن يصلي في الأقصى...، يجب تفويج المصلين والزوار مع إرشادهم إلى ضرورة السكن والشراء من المقدسيين مسلمين ومسيحيين لإنعاش اقتصادهم...، خدمة الاقتصاد الفلسطيني؛ إذ إن حوانيت المقدسيين وحاناتهم تكاد تكون خالية؛ لأنها تعتمد بالأساس على خدمة من يقومون بزيارة المسجد الأقصى".

وهذه المصالح المزعومة تتغاضى حقيقتين مهمتين، هما:

1- أن اليهود الذين يضيقون على مسلمي القدس هم هم الذين يرحبون بزيارة الجفري وجمعة وأمثالهم، وهذا دليل قاطع على أن المصلحة في عكس ما يرغب اليهود.

2- أنه يمكن السعي في تحقيق جل هذه المصالح بوسائل أخرى لا تترتب عليها المفاسد المتوقعة، حيث إن دعم مسلمي فلسطين هو مفتاح العلاج لكل هذه الأمور، وهناك وسائل عديدة للدعم المادي والمعنوي؛ عبر كثير من المنظمات الإسلامية التي تعمل هناك ولها مندوبون خارج فلسطين، وعبر آلاف الفلسطينيين الذين يسافرون إلى البلاد الإسلامية من أجل الحج والعمرة والعلاج والتعليم والتجارة والعمل...

 

ه- موقف العلماء المسلمين تاريخيًّا من زيارة الأماكن المحتلة:

أورد موقع الجفري شبهات أخرى ونسبها لآخرين، ممن يدعمون موقفه، وهي عبارة عن كلام عام لا تحديد فيه، يزعم أن علماء المسلمين عبر القرون لم يصدر عنهم مثل ذلك المنع، فيقولون مثلًا: (التتار عندما احتلوا بغداد، لم تصدر فتوى من أي من علماء المسلمين بتحريم زيارة بغداد؛ لأنها تحت حكم الاحتلال، بل دعا علماء المسلمين إلى شد الرحال إليها لتحريرها) نعم العلماء دعوا إلى شد الرحال للتحرير، ونحن كذلك ندعو لشد الرحال لتطهير المسجد الأقصى من دنس الغاصبين، وجهادهم والتنكيل بهم، أما الزيارة التي تدخل تحت اتفاقيات السلام والتطبيع فتلك التي نحاربها.

وفي تلاعب بالتاريخ ينقل موقع الجفري قول بعضهم: "القدس كانت تحت الاحتلال الصليبي لسنوات طويلة، أين فتاوى العلماء؛ حيث كان بها العز بن عبد السلام سلطان العلماء، وكان بها أبو حامد الغزالي وابن تيمية، هل حرموا على المسلمين دخول القدس، فهؤلاء أعلام في تاريخ الأمة الإسلامية، ولم يقولوا بأنهم لن يدخلوا القدس طالما أنها تحت الحكم الصليبي، بل بالعكس، أبو حامد الغزالي عندما دخل القدس وهي تحت الاحتلال الصليبي دخل من باب الأسباط، ورأى 360 حلقة علم في ساحات المسجد الأقصى، وأصبح يبكي، حيث قال: إنه رأى أن إقبال الناس على العلم انخفض".

وهذا جهل بالتاريخ وافتئات على هؤلاء العلماء، فما عاش أحدهم بها وهي تحت احتلال الصليبيين، بل إن صلاح الدين الأيوبي عندما حرر القدس كان العز بن عبد السلام في السادسة من عمره، وابن تيمية ولد بعد تحريرها بأكثر من سبعين سنة، أما الغزالي فمات بعد احتلال القدس بثلاث عشرة سنة، ولم يدخل في تلك السنين الثلاث عشرة القدس أصلًا(16)!!.

وكذلك نجد بعض الكتاب يقولون: "المسلمون لم يتوقفوا عن زيارة القدس إبان الانتداب البريطاني" وهذا كذلك قياس مع الفارق؛ لأن جل بلاد المسلمين وقتها كان واقعًا فعلًا تحت الاحتلال الأوربي، فكان الانتقال هو من مكان محتل إلى مكان محتل آخر، إضافة إلى أن التواجد الكثيف بالمسجد الأقصى وقتها كان ضروريًا للوقوف ضد العصابات اليهودية التي كانت تقدم لاستيطان فلسطين؛ تمهيدًا لإقامة دولتهم عليها، أما الآن فلم تعد المصلحة تقتضي قدوم غير الفلسطينيين إليها زائرين، وأصبح تحكم اليهود في القدس وفي من يدخلها أمرًا في غاية الوضوح.

وختامًا:

فهذه القضية في الحقيقة ما هي إلا فصل من فصول الصراع بين الأمة الإسلامية والموجات العاتية التي تحاول التلاعب بها، مستخدمة في ذلك الأساليب الملتوية، والحيلة والخديعة، والدهاء والمكر، ولكن هيهات هيهات، فسينقلب تدبيرهم تدميرًا عليهم، {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ}(17).

_______________________

(1) من الدراسات التي تتبعت أصداء هذه الزيارات، دراسة بعنوان: زيارة القدس والأقصى تحت الاحتلال تطبيع أم دعم وتشجيع؟ أعدها الباحث إبراهيم الحمامي، ونشرها مركز الشئون الفلسطينية بلندن.

(2) الحشر: 14.

(3) آل عمران: 151.

(4) ينظر في التطورات التاريخية لقضية فلسطين وموقف الأمم المتحدة من قضية القدس، موقع مؤسسة القدس الدولية، وموقع منظمة التحرير الفلسطينية، على الشبكة العنكبوتية.

(5) النساء: 27.

(6) المائدة: 64.

(7) آل عمران: 69.

(8) رواه البخاري ومسلم.

(9) رواه البخاري ومسلم.

(10) رواه البخاري في صحيحه.

(11) رواه البخاري في صحيحه.

(12) رواه البخاري في صحيحه.

(13) رواه البخاري ومسلم.

(14) رواه الترمذي والنسائي في سننيهما.

(15) ينظر تفاصيل صلح الحديبية وعمرة القضاء في كتاب الرحيق المختوم.

(16) ينظر تاريخ تلك الحقبة وأعلامها، في البداية والنهاية لابن كثير، وسير أعلام النبلاء للذهبي، والأعلام للزركلي.

(17) فاطر: 43.

cytotec abortion buy abortion pill medical abortion pill online
cytotec abortion abortion pill medical abortion pill online
cytotec abortion abortion pill medical abortion pill online
cytotec abortion abortion pill where to buy abortion pills online
cytotec abortion how to order the abortion pill online where to buy abortion pills online
where can i buy abortion pills click here buy the abortion pill online
where can i buy abortion pills abortion pill buy the abortion pill online
medical abortion pill online abortion pill abortion pill buy online
the unfaithful husband what makes a husband cheat how to cheat on wife
women who cheat with married men reasons why women cheat on their husbands cheater
read here reasons people cheat
why women cheat in relationships what to do when husband cheats how many guys cheat
cheats my husband cheated read
want my wife to cheat women who cheat on husband married cheaters
want my wife to cheat how many women cheat married cheaters
want my wife to cheat how many women cheat married cheaters


أعلى  
الجمعة 28 صفر 1434هـ الموافق:11 يناير 2013م10:01:02 بتوقيت مكة
لؤي مصطفى 
حسبي الله ونعم الوكيل بك
يقول تعالى: " ان الله يدافع عن الذين آمنوا"
كم مرة نقول وندعو اللهم ارزقنا فيه صلاة قبل الممات فاذا جاءت الفرصة تركناها لاجل الاوهام!!!!
لقد بالغت كثيراً وفوق كل شيء تتهم علماء المسلمين والصالحين بأنهم عملاء وجواسيس فلنقل جميعاً " اللهم ارنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وارنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه"
وتذكر قول تعالى " ان بعض الظن اثم"
 
ما يفترونه من سماع النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخضر ، وبعثه أنس يسأله أن...
ما يفترونه من سماع النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخضر ، وبعثه أنس يسأله أن...


فإنه نتيجة لبعد كثير من المسلمين عن ربهم وجهلهم بدينهم في هذا الزمن فقد كثرت...
قال الحافظ ابن القيم "رحمه الله" في فصل عقده لأحاديث مشهورة باطلة من ((نقد المنقول والمحك...
اشتراك
انسحاب