اليوم : الأثنين 9 شوال 1441هـ الموافق:1 يونيو 2020م
اللُّمع في ميزان الشرع
تاريخ الإضافة: السبت 19 رجب 1433هـ

"اللمع" في ميزان الشرع

موقع الصوفية : محمد فريد

عندما يخبرنا صلى الله عليه وسلم بأعظم خطر يخافه على المسلمين؛ لا يقع في خلد أحدنا أن ذلك الخطر يعدو أحد أعدائنا؛ إبليس، الدجال، اليهود، النصارى...

ولكن المفاجأة أن أعظم خطر يخافه النبي صلى الله عليه وسلم ليس شيئا من هذا كله!

بل أعظم من خطر هؤلاء جميعًا هو خطر القرآن!

فإن زاد تعجبك فتأمل الحديث الذي رواه عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما أخاف على أمتي الكتاب واللبن.قيل: يا رسول الله! ما بال الكتاب؟. قال: يتعلمه المنافقون، ثم يجادلون به الذين آمنوا. فقيل: وما بال اللبن؟ قال: أناس يحبون اللبن، فيخرجون من الجماعات، ويتركون الجمعات»(1)

وبالفعل؛ وقع ما حذر منه صلى الله عليه وسلم، وتعلم المنافقون القرآن لا ليهتدوا بهداه؛ بل ليدحضوا به الحق!

ومكافحة أهل السنة بالقرآن، والرد عليهم في إنكارهم على البدع، والضلالات هو الهدف من وراء تصنيف هذا الكتاب الذي يعتبر بلا منازع أهم، وأول مراجع الصوفية على الإطلاق.

وإن شئت فسمه: "قرآن الصوفية".

ولكن يبقى الميزان الوحيد الذي نقيس به نصيب كل شيء من الحق، أو الباطل؛ هو القرآن والسنة بفهم سلف الأمة من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين.

فمع تصفح سريع لكتاب اللمع.

نبذة عن المؤلف:

هو: أبو نصر عبد الله بن علي السراج الطوسي.

قال السُّلَمي: "كان أبو نصر من أولاد الزُّهّاد، وكان المنظور إليه في ناحيته في الفُتُوَّة، ولسان القوم [أي: الصوفية]، مع الاستظهار بعِلْم الشريعة، وهو بقيّة مشايخهم اليوم. ومات في رجب"(2).

سبب تصنيف الكتاب:

لما كان الصوفية جالبين على الأمة من الأعمال، والأقوال، والأحوال ما لا أصل من الكتاب والسنة؛ بل ما جاء فيهما يعارض ضلالاتهم المبتدعة.

وكان كلامهم عاريًا عن الآيات المحكمة، والأحاديث الصحيحة؛ ولا يحتوي على غير الهوى، والرأي، ووساوس الشيطان.

ومن ثم؛ كان الجهل أول وصف يلتصق بأصحاب هذه الطرق المبتدعة!

فأراد الطوسي أن يصنف كتابًا يضمنه عددًا من الآيات، والأحاديث المنسوبة للنبي صلى الله عليه وسلم، وعددًا من الآثار المنسوبة إلى أعلام السلف، بما يحاول من خلاله إقناع الأغمار أن للصوفية أصولًا شرعية يرجعون إليها.

كما بذل قصارى جهده في الاعتذار عن كل ما أخذ على أعلام التصوف من الشطط، والإلحاد.

مجاهدًا لأجل نفي تهمة الجهل، والابتداع عن الصوفية!

كما قال هو نفسه في بيان هذا السبب: (متقربًا إلى الله تعالى ذكره وشاكرًا له على ما منحه من توفيقه وهدايته إلى مولاة هذه العصابة [أي: الصوفية]، ومناوءة من بسط لسانه فيها بالوقيعة فيهم، والإنكار عليهم، وعلى سلفهم الماضين)(3).

موضوع الكتاب:

يقول الطوسي في بيان مادة الكتاب: (فإني قد استخرت الله تعالى وجمعت أبوابًا في ما وصل إليه أهل التصوف، وتكلم مشايخهم المتقدمون في معاني علومهم وعمدة أصولهم، وأساس مذهبهم وأخبارهم وأشعارهم ومسائلهم وأجوبتهم ومقاماتهم، وأحوالهم، وما انفردوا بها من الإشارات اللطيفة، والعبارات الفصيحة، والألفاظ المشكلة الصحيحة على أصولهم، وحقائقهم، ومواجيدهم، وفصولهم)(4).

المنهج:

وقد اعتمد على اختصار الأبواب، وعدم التوسع فيها، كما قال: (وذكرت من كل فصل طَرَفًا، ومن كل أصل طُرُفا ونتفا، ومن كل باب لمعا. على حسب ما سخ به الحال ومكن من الوقت وجاد به الحق جل ذكره)(5).

كما كان حريصًا على الاكتفاء برأي أئمته الأولين في المسألة بغير أن يذكر رأيه الشخصي ما وجد إلى ذلك سبيلًا.

فلا يذكر رأيه إلا عند الضرورة لذلك، كما قال: (وإنما ذكرت في كتابي هذا أجوبة هؤلاء المتقدمين وألفاظهم لأن لي فيها غنية عن تكلفي كتكلف المتأخرين في زماننا هذا إذا تكلموا في هذه المعاني بكلام أو أجابوا عنها بجواب أو أضافوا ذلك إلى أنفسهم وهم متعرون عن حقائقهم وأحوالهم وكل من أخذ من كلام المتقدمين الذين وصفناهم معنى من معانيهم التي هي أحوالهم ووجدهم ومستنبطاتهم وحلاها من عنده بحلية غير ذلك أو كساها عبارة أخرى أو أضافها إلى نفسه حتى يشار إليه بذلك أو يطلب بذلك جاها عند العامة أو يريد أن يصرف بذلك وجوه الناس إليه لجر منفعة أو الدفع مضرة فالله عز وجل خصمه في ذلك وهو حسيبه لأنه قد ترك الأمانة وعمل بالخيانة وهذه أعظم [وأكبر من] الخيانة التي في أسباب الدنيا والله لا يهدى كيد الخائنين وبالله التوفيق)(6).

ومع كل ما ورد بالكتاب من أبطولات فإن التزامه بهذا المنهج يدفعنا أن نشهد له بالأمانة العلمية، وعدم التشبع بما لم يعط.

ملخص المحتوى:

وقد بدأ كتابه ببيان الدافع له على تصنيف الكتاب، ومنهجه، وموضوعه. ثم بيان صنوف العلم، والعلماء، وتفضيل الصوفية على سائر العلماء، وبيان حقيقة التصوف، والصوفيين، وأصول التصوف، وسبب تسميتهم بذلك، وذم المنتسبين إليه ممن لم يعرفوا حقيقته، والفرق بين علوم الظاهر والباطن، ثم شرع في بيان التوحيد، والمعرفة على مذهبهم، وتفسير مقامات، وأحوال الصوفية؛ كالتوبة، والتوكل، والرضا، والمحبة...، وبيات تفاوت الناس في قبول القرآن، ثم الحض على الاتباع للسنة، وترك الابتداع، ثم ذكر بعض مستنبطات الصوفية للكتاب، والسنة، ثم شرع في ذكر أئمة الصحابة، وأتبعه بالحديث عن آداب العبادات، والمعاملات، كالصلاة، والصيام، والسفر، والضيافة، والزواج، ثم مراسلات الصوفية، وإشاراتهم، وأشعارهم، ووصاياهم، ثم أفرد لقضية السماع كتابًا خاصًا لما تشكله القضية من أهمية في عالم التصوف، ثم تكلم عن الكرامات، وشرح الألفاظ الصوفية المشكلة، ثم عمد إلى تأويل الألفاظ الكفرية المنسوبة لأعلام الصوفية بما يأمل به أن يجعلها موافقة للصواب، ثم ختم بتتبع أخطاء بعض الجماعات الصوفية في بعض المسائل الهامة.

فنحن إذا أمام محاولة لوضع كتاب يعتبر الأم، أو القرآن للصوفية!

وإن شئت فقل: ملف دفاع عنهم!

منزلة الكتاب عند المتصوفة:

وقد كان الكتاب حيث يرجو مؤلفه مرجعًا لكل ما جاء بعده من كتب التصوف العربية، وغير العربية.

مكانته بين الكتب الصوفية:

الكتابُ أكثر حيودًا عن الجادة من قوت القلوب، والإحياء، بما انفرد به من تأويلات للألفاظ الكفرية، وبما توسع فيه من الأحاديث الموضوعة، والأفعال الشركية؛ كالتبرك بالقبور، وغيره.

وأما ما جاء بعده من الكتب الصوفية فقد اشتد حيوده، وزاد بعده عن المنهل العذب الصافي للكتاب، والسنة.

مفهوم التصوف عند الطوسي:

وبيان حقيقته، والتبرؤ من المدعين له هو أهم، وأبرز قضايا الكتاب.

فلم يمل الطوسي من محاولة تحقيق مرامه هذا في أثناء الكتاب كله، من أول كلمة لآخر كلمة منه!.

ونستعين بالله على محاولة التعرف على فهم الطوسي للتصوف من خلال ذكر بعض تعريفات المتصوفين للتصوف كما ورد بالكتاب.

الجنيد: (أن تكون مع الله تعالى بلا علاقة)(7).

وقال الجنيد أيضًا: (اتفق أهل العلم على أن أصولهم خمس خلال: صيام النهار وقيام الليل وإخلاص العمل والإشراف على الأعمال بطول الرعاية والتوكل على الله في كل حال)(8).

وقال الجنيد أيضًا: النقصان في الأحوال هي فروع لا تضر وإنما يضر التخلف مثقال ذرة في حال الأصول فإذا أحكمت الأصول لم يضر نقص في الفروع)(9).

أبو عثمان: (أصلُنا السكوت والاكتفاء بعلم الله عز وجل)(10).

عبد الواحد بن زيد: (الصوفية القائمون بعقولهم على همومهم والعاكفون عليها بقلوبهم المعتصمون بسيدهم من شر نفوسهم هم الصوفية)(11).

قال ذو النون المصري: (هو الذى لا يتعبه طلب ولا يزعجه سلب)(12).

وقال أيضاً: (علامة العارف ثلاثة: لا يطفئ نور معرفته نور ورعه، ولا يعتقد باطناً من العلم ما ينقض عليه ظاهراً من الحكم، ولا يحمله كثرة نعم الله تعالى عليه وكرامته على هتك أستار محارم الله تعالى)(13).

قال يحيى بن معاذ: (الدنيا عروس من يطلبها ماشطتها والزاهد فيها يسخّم وجهها وينتف شعرها ويخرق ثوبها والعارف بالله مشتغل بسيده لا يلتفت إليها)(14).

سهل بن عبد الله: أصولنا سبعة أشياء: التمسك بكتاب الله تعالى، والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكل الحلال وكف الأذى واجتناب الآثام والتوبة وأداء الحقوق)(15).

وقال بعض الفقراء: (أصولنا سبعة أشياء: أداء الفرائض واجتناب المحارم وقطع العلائق ومعانقة الفقر وترك الطلب وترك الادخار لوقت ثانٍ والانقطاع إلى الله تعالى في جميع الأوقات)(16).

أبو محمد الجريري: (الدخول في كل خُلق سني والخروج من كل خلق دني)(17).

حسن القزّاز: بُني هذا الأمر على ثلاثة أشياء: ألا نأكل إلا على فاقة، ولا نتكلف إلا عن ضرورة، ولا ننام إلا عن غلبة)(18).

قال بعضهم: (من إذا استقبله حالان أو خلقان حسنان فيكون مع الأحسن والأعلى.

فإذا قيل لك: الصوفية من هم في الحقيقة؟ صفهم لنا.

فقل: هم العلماء بالله، وبأحكام الله، العاملون بما علمهم الله تعالى، المتحققون بما استعملهم الله عز وجل، الواجدون بما تحققوا، الفانون بما وجدوا لأن كل واجد قد فني بما وجد)(19).

وقال بعضهم: (بَنيْنا أصل مذهبنا على ثلاث: متابعة الأمر والنهي، ومعانقة الفقر، والشفقة على الخلق)(20).

قال الطوسي: (من لم يُحكم أساسه على ثلاثة أشياء فهو مخدوع ولو مشى في الهواء ونطق بالحكمة أو وقع له قبول عند الخاصّة أو العامة وهذه الثلاثة أشياء أوّلها اجتناب جميع المحارم كبيرها وصغيرها والثاني أداء جميع الفرائض عسيرها ويسيرها والثالث ترك الدنيا على أهل الدنيا قليلها وكثيرها إلا ما لا بد للمؤمن منها)(21).

وبعد التوكيد على المعنى الحقيقي للتصوف يؤكد على علو مرتبة الصوفية على جميع العلماء من المحدثين والفقهاء، وأنهم يأخذون مأخذ الورع في الدين، ولا يتوسعون في الرخص والمباحات؛ لأنه كما قال: (احتياطاً للدين وتعظيماً لما أمر الله به عباده واجتناباً لما نهاهم الله عنه... وإنما مذهبهم التمسك بالأولى والأتم في أمر الدين)(22).

كما لا ينسى ذكر عدد من الصفات التي تميز بها الصوفية عن غيرهم من العلماء، فيقول:

1- أداء الفرائض.

2- اجتناب المحارم.

3- ترك ما لا يعنيهم، وقطع كل علاقة تحول بينهم وبين مطلوبهم ومقصودهم.

4- القناعة بقليل الدنيا عن كثيرها والاكتفاء بالقوت الذي لابد منه والاختصار على ما لابد منه من مهنة الدنيا من الملبوس والمفروش والمأكول وغير ذلك.

5- اختيار الفقر على الغنى اختياراً ومعانقة القلة ومجانبة الكثرة.

6- إيثار الجوع على الشبع والقليل على الكثير.

7- ترك العلو والترفع وبذل الجاه والشفقة على الخلق والتواضع للصغير والكبير.

8- الإيثار في وقت الحاجة اليه.

9- أن لا يبالى من أكل الدنيا.

10- حسن الطن بالله.

11- الإخلاص في المسابقة إلى الطاعات والمسارعة إلى جميع الخيرات.

12- التوجه إلى الله تعالى والانقطاع إليه والعكوف على بلايه.

13- الرضا عن قضاياه.

14- الصبر على دوام المجاهدة، ومخالفة الهوى، ومجانبة حظوظ النفس والمخالفة لها)(23).

15- (كما يتأذون من فتح الدنيا عليهم ويعدونه بلاء)(24).

16- (كما ذكر أن للصوفية من الاستنباطات اللطيفة من الكتاب والسنة ما تعجز عنه فهوم الفقهاء والمحدثين، وهذا من أبرز ما يرفعهم على غيرهم)(25).

ويلخص الطوسي كل هذه الصفات بقوله واصفًا الصوفية: (قاموا بشرط العلم ثم عملوا به ثم تحققوا في العمل فجمعوا بين العلم، والحقيقة، والعمل)(26).

ولأن الطوسي أراد بكتابه هذا أن يعلن للناس أن أصول التصوف من الكتاب والسنة!

فقد استدل على صحة استنباطات الصوفية بحديث ضعيف جداً، وفسره تفسيرًا-.عف منه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم لوابصة: «اسْتَفْتِ قَلْبَكَ...»(27).

ومع شدة ضعفه، فقد فسره تفسيرًا خاطئًا، فقال: (ولم يقل لأحد غيره ذلك)(28).

يريد أن يقول بأن وابصة كان له منزلة التصوف التي يستطيع بها استنباط ما لا يستطيعه غيره!

والضعف سمت في الدليل، والاستدلال!

أما ضعف الدليل فقد بيناه، وأما ضعف الاستدلال: فلأن النبي صلى الله عليه وسلم إن صح عنه هذا القول لوابصة، فلا يقصد من ورائه أن يخص وابصة بمنزلة أرفع من منزلة الصحابة بمن فيهم الشيخان، والراشدون، والمبشرون.

وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخاطب الأمة كلها في شخص كل إنسان يكلمه.

فعندما يقول لأحد: (لا تغضب).

فلا يقصد من وراء ذلك أن هذه الوصية خاصة بالشخص الذي قيلت له فحسب!

بل هي وصية عامة لجميع الأمة.

ولو تم تخصيص كل وصية، أو أمر بمن قيلت له.

لاتخذ كل رجل من الصحابة ديناً خاصاً به من دون الآخرين.

أما نحن فلسنا مكلفين بشيء من أقواله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لم يقل لنا شيئاً منها!

وهذا هو أحد الاستنباطات الفذة، والتفسيرات الرائقة التي تفوق بها الصوفية عن غيرهم!

ونقارن بين هذا الفهم، وفهم أعظم الناس شهادة عند رب العالمين، وهو المؤمن الذي يكافح الدجال آخر الزمان، حيث يقول له أول ما يراه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ! هَذَا الدَّجَّالُ الَّذِي ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)(29).

فاعتبر ذكره صلى الله عليه وسلم للأمة كلها، وليس لمن سمعوه فحسب!

ولا يجوز تخصيص شيء من النصوص بأحد إلا بدليل واضح، والأصل في النصوص أنها لعموم الأمة.

سبب تسميتهم بالصوفية:

كما بين سبب تسميتهم بهذا الاسم، فقال: (نسبة إلى ظاهر اللبسة؛ لأن لبس الصوف دأب الأنبياء عليه السلام وشعار الأولياء والأصفياء ويكثر في ذلك الروايات والأخبار)(30).

ولكنه لم يذكر لنا شيئًا من تلك الروايات الواردة، ولعلها من جنس الموضوعات التي يعتمد عليها المتصوفة.

كما يطلق على المتصوف ألفاظ أخرى: (كالفقير - أو العارف - أو المريد - ...).

كما أشار إلى ذلك بمواضع متفرقة من الكتاب.

ذم المنتسبين للتصوف من غير المحققين لشروطه:

ومع الاهتمام ببيان حقيقة التصوف، وآداب المتصوفة فقد شدد في ذم المنتسبين له بغير العمل بشروطه.

فمن ذلك قوله: (واعلم أن في زماننا هذه قد كثر الخائضون في علوم هذه الطائفة وقد كثر أيضاً المتشبهون بأهل التصوف والمشيرون إليها والمجيبون عنها وعن مسائلها وكل واحد منهم يضيف إلى نفسه كتاباً قد زخرفه وكلاماً ألفه وليس بمستحسن منهم ذلك)(31).

ومن رائق ما أورده في مدعي الصوفية:

(ما قاله علي بن عبد الرحيم:

أهل التصوف قد مضوا *** صار التصوف مخرقة

صار التصوف صيحة *** وتواجدا ًومطبقة

مضت العلوم فلا علوم *** ولا قلوب مشرقة

كذبتك نفسك ليس ذي *** سنن الطريق المخلقة

حتى تكون بعين من *** عنه العيون المحدقة

تجرى عليك صروفه *** وهموم سرك مطرقة)(32).

(وقال بعض المشايخ:

قلت لرُوَيْم: أوصني بوصية.

فقال لي: يابني! ليس غير بذل الروح، فإن قدرت على ذلك وإلا فلا تشتغل بتُرّهات الصوفية)(33).

هذا استعراض سريع لبعض ما جاء في الكتاب من تعريف التصوف، وحقيقته، وذم المدعين له، وسبب التسمية.

والاستنباطات التي يدعي أنها من خصائص الصوفية!

فهي أبعد ما تكون عن الصواب، وسنتعرض لها إن شاء الله عند الحديث على تفسيرات الصوفية، واستنباطاتهم.

وبخلاف تلك الاستنباطات المذكورة!

وبخلاف بعض الألفاظ المستغربة في بعض التعريفات!

فإن المتأمل في هذه الصفات يجدها تنطبق على العالم الرباني، الذي يتعلم العلم، ويعمل به مخلصًا لله رب العالمين.

وأولى من تنطبق عليه تلك الصفات هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والصحابة رضي الله عنهم، والتابعون لهم بإحسان ليوم الدين.

كما ينبغي الالتفات إلى التوكيد في هذه التعريفات على ضرورة اجتناب المحارم، والاجتهاد في الطاعة، واتباع الأمر، واجتناب النهي.

وهذه من الأمور التي يفتقدها الكثيرون من مدعي المتصوفة حيث تراهم أبعد ما يكونون عن الطاعة، وأقرب ما يكونون من التلبس بالمعصية، وأكثر ما يكونون مخالفةً للشريعة، مع ادعاء القرب من الله مع عظيم بعدهم عن شريعته، وادعاء المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم مع عظيم مخالفتهم لسنته صلى الله عليه وسلم، وأختم هذا العرض بأغرب تعريف في الكتاب للتصوف.

قال الحصرى: (أصولنا ستة أشياء: رفع الحدث وإفراد القِدَم وهجر الإخوان ومفارقة الأوطان ونسيان ما عُلم وما جُهل)(34).

ولا تخفى غرابة ألفاظه، وما كان منها واضحًا لا تخفى مخالفته للشريعة!

أهم سؤال: وبعض أن برز التوكيد على أهمية العمل بالشريعة، واجتناب المحظورات، والبدع في تعريفات التصوف، وبيان حقيقته!

هل التزم الطوسي في الكتاب بما زعمه من ذلك الالتزام بالشريعة؟!

فلندع الاستعراض الأمين لسائر محتويات الكتاب يبين لنا حقيقة الإجابة على هذا السؤال الخطير.

مفهومه للعلم والعلماء:

حضه على العلم بمواضع كثيرة من الكتاب حيث جعله أول أدب على الصوفي قبل القيام بأي عبادة؛ من وضوء، وصلاة، وغيرها؛ فمن ذلك؛ قوله: (فأول أدب يحتاج إليه في باب الضوء والطهارات طلب العلم وتعلمه ومعرفة الفرائض والسنن وما يُستحب وما يكره من ذلك وما أمر به وما نُدِبَ إليه وما رُغِبَ فيه للفضيلة، وتفصيل ذلك لا يُوقَفُ عليه إلا بالتعلم والسؤال والبحث عليه والاهتمام له حتى تأتى به على موافقة الكتب والسنة)(35).

وقوله: (وأما آدابهم في الصلاة فأول ذلك تعلُّم علم الصلاة ومعرفة فرائضها وسنتها وأدابها وفضائلها ونوافلها وكثرة مسائلة العلماء والبحث عما يُحتاج إليه في ذلك مما لا يسعُهُ الجهل)(36).

تقسيم علوم الشريعة:

إذ يقسمها قائلاً: (وعلوم الشريعة أربعة أقسام:

الحديث، والفقه، والقياس، والتصوف.

والتصوف: هو أعلاها وأشرفها)(37).

تعظيمه للعلماء والفقهاء: إذ يقول عنهم: (لأنهم الأئمة الحافظون لحدود الله المتمسكون بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناصرون لدين الله عز وجل يحفظون على الخلق دينهم ويبينون لهم الحلال من الحرام والحق والباطل فهم حجج الله تعالى على خلقه والدعاة له في دينه فهؤلاء هم الخاصة من العامة)(38).

تصنيفه للعلماء ثلاثة أصناف: إذ يقول: (وعندي والله أعلم أن.لى العلم القائمين بالقسط الين هم ورثة الأنبياء هم المعتصمون بكتاب الله تعالى المجتهدون في متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم المقتدون بالصحابة والتابعين السالكون سبيل أوليائه المتقين وعباده الصالحين هم ثلاثة أصناف أصحاب الحديث والفقهاء والصوفية)(39).

ثم فضل الفقهاء على المحدثين، وفضل الصوفية على الجميع!

إذ يقول: (وأما طبقات الفقهاء فإنهم فضلوا على أصحاب الحديث،...)(40).

وأما تفضيله للفقهاء فلأنهم زادوا على المحدثين بفهمهم للنصوص.

وهذا يكون صحيحًا في حق الفقهاء المحدثين وهم نادرون جدًا كالإمام أحمد.

أما من عداهم فقلما تجد فقيهًا له دراية بعلم الحديث، وهؤلاء لا يفوقون المحدثين؛ لأنهم وإن فاقوهم في فهم النص، فإنهم قد يؤصلون أصلاً، ثم يفرعون على هذا الأصل فروعًا، وإذا محصت ذلك الأصل إذا به حديث ضعيف، أو موضوع لا أصل له.

ومن ثم فيكون كمن بنى بناءً عالياً بغير أساس فلما اكتمل البناء سرعان ما انهار على أصحابه!

أما العلماء الذين جمعوا بين الدراية، والرواية، والعمل؛ فهم العلماء الربانيون الصادقون، وهذه منزلة الراسخين في العلم، وهو يسميهم متصوفة، ويرفعهم على جميع الأصناف.

موقفه من علم الباطن، وعلاقته بعلم الظاهر. كما يفسر علم الباطن بقوله: (وأما الأعمال الباطنة فكأعمال القلوب وهي المقامات والأحوال مثل التصديق والإيمان واليقين والصدق والإخلاص والمعرفة والتوكل والمحبة والرضا والذكر والشكر والإنابة والخشية والتقوى والمراقبة والفكرة والاعتبار والخوف والرجاء والصبر والقناعة والتسليم والتفويض والقرب والشوق والوجد والوجل والحزن والندم والحياء والخجل والتعظيم والإجلال والهيبة)(41).

وهو يقابل علم الظاهر الذي فسره بقوله: (فإذا قلنا علم الظاهر أشرنا إلى علم الأعمال الظاهرة التى هى على الجوارح الظاهرة وهى الأعضاء)(42).

وعن علاقة علم الظاهر بعلم الباطن يقول: (ولا يستغنى الظاهر عن الباطن ولا الباطن عن الظاهر)(43).

كما يؤكد على ضرورة العمل بالعلم الظاهر في مواضع، منها قوله: (فأما ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحدود والأحكام والعبادات من الفرائض والسنن والأمر والنهى والاستحباب الرخص والتوسيع فذلك من أصول الدين)(44).

كما يورد بعض النقولات في التوكيد على وجوب العمل بالعلم الظاهر، منها:

(وقال سهل بن عبد الله: كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فباطل)(45).

(وقال أبو سليمان الداراني: ربما تَنْكُتُ الحقيقة قلبى أربعين يومًا فلا آذن لها أن تدخل قلبي إلا بشاهدين من الكتاب والسنة)(46).

والأسئلة التي تطرح نفسها هنا أيضًا:

هل التزم الطوسي بمقتضى علم الظاهر كما شرط على نفسه؟!

وهل التزم الطوسي بأسس علم الحديث، واقتصر على الأحاديث الصحيحة؟!

أم خالف علم الظاهر، وعندما أراد الاستشهاد به أخذ كل ضعيف، وموضوع؟!

فلندع الاستعراض الأمين للكتاب يبين لنا حقيقة الإجابة على هذا السؤال.

أولاً: ذكر بعض إيجابيات الكتاب.

ومع مخالفة الكتاب لأصل الشريعة فقد احتوى على بعض الإيجابيات التي تدعونا الأمانة العلمية إلى ذكرها على النحو التالي:

1- الحض النظري على التزام أصول الشريعة، واجتناب المحارم، ولزوم الورع كما هو مبين في ذكر أصول التصوف في الجزء السابق.

2- التعظيم النظري لعلم الظاهر، وعلوم الرواية، والدراية كما تم بيانه من قبل في الكلام عن مفهومه للعلم.

3- نهيه للصوفية عن الأخذ برخص العامة؛ إذ يقول: (وأما المتصوفة ومن ترك الأسباب وخرج عن الاشتغال وفرغ نفسه للعبادة والزهد فلا عذر له في ترك التوقي والتنقي والاهتمام بإسباغ الوضوء والتمسك بالاحتياط والأتم)(47).

ويقول أيضًا: (لأن من آدابهم أن يتمسكوا بالأحوط في الفرائض ويأخذوا بالأتم من علم الشريعة لأن التعلق بالرخص سبيل العامة والأخذ بالسعة والتأويلات حال الضعفاء وذلك رحمة من الله تعالى لهم)(48).

وهو خلاف ما عليه الكثيرون منهم إذ يستحلون الحرام المحض!

4- الحض على النظافة. إذ يقول: (وأحب الأشياء إلى المتصوفة النظافة والطهارة وغسل الثوب والمداومة على السواك، والاغتسال في كل يوم جمعة، والرائحة الطيبة)(49).

وهو خلاف ما يدعو إليه الكثيرون منهم؛ حيث يعتقدون أن الإنسان كلما كان أكثر قذارة كان أقرب إلى الله!

5- الأمر بربط الظاهر بالباطن في الطاعات. فمن ذلك قوله في التحلل من الحج: (فأدبُهم أن يحلقوا عن بواطنهم حُب الثناء والمحمدة مع حلق رءوسهم فإذا ذبحوا فأدبُهم في الذبح أن يبدؤوا بذبح نفوسهم في نفوسهم قبل ذبح ذبيحتهم)(50).

6- إنكاره على من فضل الأولياء على الأنبياء. فقال: (ذكر من غلط في النبوة والولاية)(51).

وقال في تفضيل الأنبياء على الأولياء: (ولا يجوز لقائل أن يقول إنها [أي: الولاية] تزيد بالفضل على الأنبياء عليهم السلام، وآصف بن برخياء كان عنده علم من الكتاب حتى آتى بعرش بلقيس قبل أن يرتدّ إليه طرفه فكيف يجوز أن تقول أنه أتم من سليمان عليه السلام مع ما آتاه الله تعالى من النبوة والفهم والملك...

وكل ولي من الأولياء ينال ما ينال من الكرامة بحسن اتباعه لنبيه...

فكيف يجوز أن يفضل التابع على المتبوع والمقتدى على المقتدى به؟!)(52).

7- كما ذكر جملة من الآداب الحسنة في المواساة، وحسن الخلق، والخدمة للأصحاب في السفر والكرم، والجود، وغير ذلك.

ثانيًا: بعض السلبيات بالكتاب:

وعندما نتعرض لسلبيات الكتاب؛ نراه يهدم الأسس النظرية التي دعا إليها!

فمن ذلك:

التناقض: أبرز سمات الكتاب، وذلك أننا نراه يؤكد على الأمر بصورة نظرية ثم لا يلبث أن ينقضه عمليًا.

وهذا منهجه الذي لم يحد عنه إلا قليلا.

فمن ذلك، تأكيده على لزوم الشريعة، ثم لا يلبث أن ينقض أصلها.

كما في إباحته للتبرك بالقبور، والدعاء عندها، كما في قوله: (إن علماء نواحينا يتبرَّكون بتُربة أبى يزيد رحمه الله إلى يومنا هذا)(53).

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقصد قبره بشد الرحال، والدعاء عنده في أحاديث كثيرة، فكيف بمن دونه من الناس؟!

ومن أبرز مخالفته لأصول الشريعة؛ تكفيره للمشير إلى الله وقد أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم.

فذكر: (قال الجنيد رحمه الله: جلست عند رأس ابن الكرينى فأوميت برأسي إلى الأرض فقال بعد ثم أوميت برأسي إلى السماء فقال بعد وقال الشبلي رحمه الله ومن أومى اليه فهو كعابد وثن لأن الإيماء لا يصلح إلا إلى الأوثان)(54).

وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى الله في السماء في أحاديث كثيرة، منها ما ورد في حجة الوداع؛ «... فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ...»(55).

فأين هذا التخريف من الشريعة التي زعم أنها أصل التصوف؟!

ومن ذلك التناقض؛ دعوته إلى التعفف، ثم ذم طلب الرزق:

فما ذكره في ترك التكسب: (وكان بشر يعمل المغازل فكان في كتابه بلغني عنك انك استغنيت عن أمر معاشك بعمل هذه المغازل أرأيت أن اخذ الله تعالى سمعك وبصرك الملتجأ إلى من قال فترك بشر ذلك العمل واشتغل بالعبادة)(56).

فقرر أن ترك الكسب أتم وأفضل، فقال: (فمن ضعف يقينه وغلب عليه طبعه وطمعه يؤمر بالدخول في الطلب والطلب مباح وترك الطلب بقوة الإيمان وأتم وأفضل)(57).

وأنكر على من أوجب الكسب قائلاً: (وقد غلطوا في ذلك لأن الكسب رخصة وإباحة لمن لم يُطق حال التوكل لأن التوكل حال الرسول صلى الله عليه وسلم وكان الرسول صلى الله عليه وسلم مأمور بالتوكل والثقة بالمضمون من الرزق وكذلك الخلق كلهم مأمورين بالتوكل على الله عز وجل والثقة بما وعدهم الله تعالى والسكون عند عدم الرزق حتى يسوق الله عز وجل ارزاقهم فمن ضعف عن ذلك ولم يطق فقد سن له رسول الله صلى الله عليه وسلم الكسب المباح بشروطه حتى لا يهلك)(58).

بل وصل الأمر لحد المعايرة بالاكتساب: (وقال الشبلي رحمه الله لرجل: ايش حرفتك؟

فقال: خراز.

فقال له: نسيت الله تعالى بين الخرز والخرز!)(59).

وشر من هذا كله؛ مدحه للرجل بمسألة الناس.

كما في قوله: (وكان بعض الصوفية ببغداد لا يكاد أن يأكل شيئا إلا بذل السؤال فسُئل عن ذلك فقال اخترت ذلك لشدة كراهية نفسى ذلك)(60).

بل وأمر المريد بمسألة الناس، وأنه لا يبلغ حقيقة التقوى إلا بذلك: (ودخل شيخ من أجلّة الشيوخ بلدا فرأى فيها مريدا قد أجابته نفسه لكل شيء من الطاعات والعبادات والفقر والتقلل وكان قد تولّد له من ذلك قبول عند العامة فقال له هذا الشيخ لا يصح لك جميع ما أنت فيه إلا أن تُكدّى الكسر من الأبواب ولا تأكل شيئا غيرها فصعب ذلك على المريد وعجز عن ذلك فلما كبر سنه اضطر إلى السؤال والحاجة فكان يرى أن ذلك عقوبة لمخالفته لذلك الشيخ في أيام إرادته)(61).

(ثم حكى عن بعض المشايخ أنه كان يأمر طلابه بالتسول من أي بيت يتصاعد منه الدخان)(62).

ونحن نسأل الطوسي: أين هذا الكلام من الشريعة التي حرمت المسألة، وأوجبت التعفف في نصوص كثيرة؟!

ومن ذلك التناقض؛ ذم الحلولية ثم الاعتذار عنهم.

كما فعل مع أبي يزيد؛ إذ يقول: (سبحاني.. سبحاني)(63).

وكما فعل مع قول الشبلي؛ إذ يقول ابن جابان: قال الشبلي لنا وهو يودعنا: (أنا معكم حيث ما كنتم، أنتم في رعايتي وفي كلاءتي).

قال الطوسي معتذرًا عنه: (يريد الله بذلك، والمعنى: أنه يرى نفسه محقًا في ما غلب على قلبه من تجريد التوحيد، وحقيقة التفريد، والواجد إذا كان وقته كذلك؛ فإذا قال: أنا يعبر عن وجده ويترجم عن الحال الذي قد استولى على سره.

فإذا قال: أنا.

يشير بذلك إلى ما غلب عليه من حقيقة صفة مشاهدته قرب سيده)(64).

ومن ذلك التناقض الفج، الأمر بالاتباع للسنة، ثم المدح بمخالفتها، ومعارضة السنة بدعوى التخصيص بلا برهان لموافقة الأهواء.

وذلك كما قال: (وحُكى عن فتح الموصلي رحمه الله تعالى أنه أخذ يومًا صبيا له فقبَّله قال فتح سمعت هاتفا يقول: يا فتح ألا تستحيى ان تحب معنا غيرنا قال فما قبّلت ولدًا لي بعد ذلك)(65).

ولما كان التخريف مخالفا لصحيح السنة، عمل على تعطيل السنة، وادعاء تخصيصها بلا برهان، فقال: (فإن قال قائل: قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أولاد وكان يقبلهم ويعانقهم ويضمهم إلى صدره، وقال الأقرع بن حابس لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله! لي عشرة من الولد ما قبّلت واحدا منهم فقال عليه السلام: من لا يرحم لا يُرحم».

يقال لقائل هذا القول قد أبعدت القياس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إمام الخلق إلى يوم القيامة ومصحوبُهُ العصمة وقوة النبوة وأنوار الرسالة في جميع الأشياء لا تأخذ منه الأشياء ولا يكون في الأشياء بحظه؛ لأن جميع حركاته تأديب للغير من أُمته وهؤلاء ليس لهم تلك القوة ولا ذلك التخصيص، وإذا لاحظهم بعنايته يغار عليهم أن يَدَعَهم أن يلتفتوا بخواطرهم إلى من سواه)(66).

والغريب حقًا: أن دعوى الخصوصية لو صحت؛ ما أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على الأقرع بها الأسلوب القاسي إذ قال له: «أأملك أن نزع الله الرحمة من قلبك؟!».

ولأخبره أن حاله هكذا أكمل، وأنه لا يجوز له اتباعه في ذلك الخُلُق!

ولكنه تشريع لأمته جميعًا كما يتوضح لكل ذي بصيرة؛ وإن قلت: ولكنه عمى البصيرة لإذ يدعو أهله لمعارضة السنة بشريعة الهاتف!

ثم بعد ذلك يتجرأ على الزعم بمتابعة السنة! والتناقض منهجه في الكتاب كله، وفيما أوردناه دلالة على ما تركناه.

منهجه في الاستدلال:

فلم يدع وسيلة من وسائل الاستدلال الباطلة إلا استعملها في الكتاب، ونكر طرفًا منها:

الاستدلال بالأحاديث الباطلة الموضوعة على المعاني الفاسدة الشنيعة. حتى وإن خالفت الصحيح، فمن ذلك قوله: (وكذلك روى عن على بن أبى طالب رضى الله عنه أنه قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين باباً من العلم لم يعلم ذلك أحد غيري)(67).

وهذا حديث باطل موضوع يخالف الحديث الصحيح عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: «قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: (لاَ، إِلَّا كِتَابُ اللهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ»(68).

الاستدلال بالأحاديث الموضوعة في مواضع وردت فيها أحاديث الصحيحة:

فمن ذلك ما فعله الطوسي إذ يقول: (وقال صلى الله عليه وسلم: (الفقر أزين بالعبد المؤمن من العذار الجيد على خد الفرس)(69).

وفي فضل الفقراء أحاديث كثيرة في البخاري، ومسلم يمكن لمن أحب مراجعتها أن يطالعها في كتاب رياض الصالحين.

ولكنه ترك كل ما ورد في الصحيحين، وأورد ذلك الحديث الموضوع المخترع!

وإذا كان الدافع الأول للوضاعين نصرة مذاهبهم الباطلة بما لم يرد في الشريعة المطهرة!

فما هو عساه ذلك الدافع للوضع في مسألة ورد فيها العديد من نصوص الكتاب، والسنة؟!

اللهم إلا الجهل بالكتاب، والسنة!

الاستدلال بالهاتف:

والهواتف ليست من مصادر التشريع فحسب؛ بل هي أهم المصادر التشريعية عندهم، بحيث يردون بها صحيح الكتاب والسنة!

فمن ذلك؛ ما قاله الطوسي: (وحُكى عن فتح الموصلي رحمه الله تعالى أنه أخذ يومًا صبيا له فقبَّله قال فتح سمعت هاتفا يقول يا فتح: ألا تستحيى ان تحب معنا غيرنا قال فما قبّلت ولدًا لي بعد ذلك)(70).

فما أقوى ذلك الاستدلال! بحيث ترك السنة الصحيحة في ذلك، وعمل بموجب الهاتف!

الاستدلال الخاطئ بالدليل الصحيح:

حتى في المواضع التي يورد فيها دليلا صحيحا فإنه لما كان التحريف منهجًا لهم أبى إلا أن يحرف النص الصحيح بصرفه عن معناه، فيفسر النص الشرعي بغير ما جعل له.

فمن ذلك تفسيرهم لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ، خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ»(71).

فيفسرونه بقولهم: (إن رفع العبد يده إلى الله تعالى فيدعو الله تعالى فيجيبه بيكون ذلك كسب يده)(72)!

وهذا غاية الضلال، وذلك ظاهر من الحديث؛ فإن نبي الله داود كان حدادًا، يعمل بيده، وكان نبي الله زكريا نجارا، وما نبي إلا رعا الغنم!

ولكنه لما كان النص على غير هواهم؛ إذ يعتبرون طلب الرزق منقصة، والتسول أعلى درجات الكمال، قاموا بتحريف الكلم عن مواضعه تحريفا معنويا.

ومن ذلك التفسير الباطل، والاستنباط الخاطئ:

قول الطوسي: (وسئل الشبلي رحمه الله عن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: جعل رزقي تحت ظل سيفي فقال: كان سيفه التوكل على الله تعالى، وأما ذو الفقار فهو قطعة من حديد)(73).

وهو خلاف مراد الحديث من الحض على الجهاد في سبيل الله، وأن الجهاد يجلب الخير في الدنيا، والآخرة.

وهذه الاستنباطات الفريدة، والتي يحرفون بها الكلم عن مواضعه هي ما يتفرد به الصوفية عن غيرهم من العلماء.

وهم يحرفون كل النصوص الداعية إلى الأخذ بالأسباب؛ إذ يعتبرونها منافية للتوكل.

فيحرفونها بما يتوافق مع مذهبهم في ترك ألأخذ بالأسباب المشروعة في الكتاب والسنة.

التشريع بلا استدلال أصلا:

وما دام الهوى هو المرجع الأوحد في التشريع فلا بأس أن يكون التشريع بالهوى، وإطلاق الكلام المرسل بغير أي لون من ألوان الاستدلال!

فمن ذلك؛ قول الطوسي: (عن الجنيد أنه قال: تنزل الرحمة من الله عز ذكره على الفقراء يعنى الصوفية في ثلاثة مواطن عند أكلهم الطعام فإنهم لا يأكلون إلا عن فاقه وعند مجاراة العلم فإنهم لا يتكلمون إلا في أحوال الصديقين والأولياء وعند السماع فإنهم لا يسمعون الا من حق ولا يقومون إلا بوجد)(74).

هكذا... يتحدثون في الغيبيات، وأوقات نزول الرحمات بلا دليل، ولا استدلال، وكأنهم أصبحوا مطلعين على الغيب!

الاعتذار عن الألفاظ:

ومن أبشع ما فعل الطوسي هو الاعتذار عن جميع الألفاظ الكفرية المأثورة عن أئمتهم.

فيقول الطوسي في تفسير الشطحات الكفرية لأئمتهم:

الشطح: (عبارة مستغربة في وصف وجد فاض بقوته وهاج بشدة غليانه وغلبته)(75).

كما يقول: (فالشطح لفظة مأخوذة من الحركة لأنها حركة أسرار الواجدين إذا قوى وجدهم فعبروا عن وجدهم ذلك بعبارة يستغرب سامعُها فمفتون هالك بالإنكار والطعن عليها إذا سمعها وسالم ناج برفع الإنكار عنها والبحث عما يُشكل عليه منها بالسؤال عمن يعلم عِلمها)(76).

فمن تلك الشطحات الكفرية؛ تخريف منقول عن أبى يزيد (ذُكر عن أبى يزيد أنه قال رفعني مرة فأقامني بين يديه وقال لي يأبى يزيد إنَّ خلقي يحبون ان يروك فقلت زيني بوحدانيتك وألبسني أنانيتك وارفعني إلى أُحديتك حتى إذا رآني خلقُك قالوا رأيناك فتكون أنت ذاك ولا أكون أنا هناك)(77).

فاعتذر الجنيد عنه قائلاً: (هذا كلام من لم يلبسه حقائق وجد التفريد في كمال حق التوحيد فيكون مستغنيا بما ألبسه عن كون ما سأله وسؤاُلُه لذلك يدل على انه مقارب لما هناك وليس المقارب للمكان بكائن فيه على الإمكان والاستمكان، وقوله ألبسني وزيني وارفعني يدل على حقيقة ما وجده مما هذا مقداره ومكانه ولم ينل الحظوة إلا بقدر ما استبانه)(78).

تعقيب الطوسي: (قلت فهذا الذى فسر الجنيد رحمه الله فقد وصف حاله فيما قال وبين مكانه فيما أشار إليه أبو يزيد رحمه الله فأما ما يجد المتعنت والمعاند مقالا بالطعن على من يقول مثل ذلك فلم يبين وإلى ذلك المعنى والمقصد وبالله التوفيق قوله رفعنا مرة فأقامني بين يديه يعنى أشهدنا ذلك وأحضر قلبي لذلك لأن الخلق كلهم بين يدى الله تعالى لا يذهب عليهم نفس ولا خاطر ولكن يتفاضلون في حضورهم لذلك ومشاهدتهم ويتفاوتون في صفاتهم من كدورة ما تحجب بيهم وبين ذلك من الأشغال القاطعة والخواطر المانعة وقد روى في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد ان يدخل في الصلاة يقول وقفت بين يدى الملك الجبار وأما قوله قال لي وقلت له فإنه يشير بذلك إلى مناجاة الأسرار وصفاء الذكر عند مشاهدة القلب لمراقبة الملك الجبار في أناء الليل والنهار فقس على ما بنيت لك فإن الجميع يشبه بعضه بعضًا)(79).

وقس على هذا في كل الشطحات الكفرية حيث يجعل من الكفر البواح حقائق للتوحيد، ومنازل للتفريد!

وبعد... فهذا قليل من كثير، وغيض من فيض...

والخلاصة: أنك ما إن تطلق لفكرك العنان إلا راقه ما استهل به الكلام من وجوب التمسك بالشريعة، واجتناب المحظورات، والأمر بالأتباع، وترك الابتداع.

إلى غير ذلك من الوصايا النظرية، ثم لا تلبث أن تودع خضرة الشريعة إلى صحراء الآراء العاطبة، والأهواء الفاسدة، وطلاسم المواجيد المبهرجة.

وتعلم أن كل ما كان يدعيه من الاتباع ما هو إلا محض افتراء لا أكثر.

لقد أكد في بداية كتابه على أن حقيقة التصوف تتلخص في لزوم الشريعة ثم رأيناه يخالفها أصولا وفروعا في كل كلمة بالكتاب.

كما رأيناه في حديثه عن العلم يحض على العلوم بأنواعها (الرواية، والدراية، والتصوف).

كما رأيناه رافعا لشأن الفقهاء لإحاطتهم بما أحاط به المحدثون، ثم انفرادهم بعلم الرواية.

ثم رأيناه رافعا للصوفية على المحدثين والفقهاء كليهما لأنهم في زعمه قد أحاطوا بما أحاط به الفريقان كلاهما.

ثم انفردوا عنهما بالجد والاجتهاد.

ثم رأيناه في أثناء التطبيق العملي يأتي بالعجائب.

وفي منهجه الاستدلالي، دأب على:

- الاستدلال بالأحاديث الموضوعة التي لا أصل لها.

- الاستدلال بالأحاديث الضعيفة في مواضع بها أحاديث صحيحة.

- دمج الأحاديث في بعضها.

- تحريف ألفاظ الأحاديث الصحيحة.

- عدم قصر مسألة التحريف على الأحاديث؛ بل تتعداها إلى الآثار.

- حتى الأدلة الصحيحة؛ عندما يلجأ إليها في أحيان قليلة! يأبى إلا تحريفها معنويا بما يتوافق مع هواه المريض، ومذهبه المبتدع.

- يأتي بكلام مرسل بدون دليل أصلاً.

- يستدل بالهاتف، ويرد به الأدلة الصحيحة.

- يخالف السنة ويدعي التخصيص بلا دليل.

فهل يجرؤ أحد بعد ذلك أن يزعم بأن الطوسي قد أحاط فعلا بما أحاط به المحدثون من علم الرواية؟!

وفي تفسيراته يفسر النصوص بغير ما سيقت لأجله.

فهل يجرؤ بعد هذا الموضوع زاعم على ادعاء أنه قد حاز ما حازه الفقهاء من علم الدراية؟!

أم هي الدعوى العارية عن الدليل؟!

والزعم المجرد من البرهان؟!

إن كل كلمة؛ بل كل حرف من الكتاب يدعونا إلى العودة لهدي الكتاب والسنة تاركين كل ما عداهما من ثمرات الوساوس الشيطانية، والأهواء البشرية.

إذ لا سبيل سواهما لنيل رضا الحق سبحانه وتعالى، اللهم ردنا للحق ردًا جميلا.

وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ، سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.

__________________

(1) صحيح، رواه الإمام أحمد (17318).

(2) تاريخ الإسلام (8/ 452).

(3) اللمع/ 2.

(4) اللمع/ 2.

(5) اللمع/ 2.

(6) اللمع/ 4.

(7) اللمع/ 25.

(8) اللمع/ 217.

(9) اللمع/ 217.

(10) اللمع/ 217.

(11) اللمع/ 25.

(12) اللمع/ 25.

(13) اللمع/ 39.

(14) اللمع/ 39.

(15) اللمع/ 217-218.

(16) اللمع/ 218.

(17) اللمع/ 25.

(18) اللمع/ 201.

(19) اللمع/ 26.

(20) اللمع/ 176.

(21) اللمع/ 409.

(22) اللمع/ 10-11، مختصرًا.

(23) اللمع/ 11-12، بتصرف.

(24) اللمع/ 193.

(25) اللمع/ 14، مختصرًا.

(26) اللمع/ 3.

(27) ضعيف جدًا، لأمور منها: الزبير أبو عبد السلام؛ منكر الحديث وهو منقطع، أخرجه الإمام أحمد، (18001)، وغيره.

(28) اللمع/ 16.

(29) رواه مسلم، (2938).

(30) اللمع/ 21-22، بتصرف واختصار.

(31) اللمع/ 3.

(32) اللمع/ 26.

(33) اللمع/ 262.

(34) اللمع/ 218.

(35) اللمع/ 144.

(36) اللمع/ 150.

(37) اللمع/ 278-279، باختصار وتصرف.

(38) اللمع/ 95.

(39) اللمع/ 5.

(40) اللمع/ 8-9.

(41) اللمع/ 23-24.

(42) اللمع/ 24.

(43) اللمع/ 24.

(44) اللمع/ 95.

(45) اللمع/ 104.

(46) اللمع/ 104.

(47) اللمع/ 144-145، مختصرًا.

(48) اللمع/ 167.

(49) اللمع/ 148، مختصرًا.

(50) اللمع/ 172.

(51) اللمع/ 422.

(52) اللمع/ 423.

(53) اللمع/ 391.

(54) اللمع/ 337.

(55) رواه مسلم، (1218).

(56) اللمع/ 195.

(57) اللمع/ 415.

(58) اللمع/ 414.

(59) اللمع/ 197.

(60) اللمع/ 191.

(61) اللمع/ 191.

(62) اللمع/ 198، بتصرف واختصار.

(63) اللمع/ 390.

(64) اللمع/ 395-396.

(65) اللمع/ 200.

(66) اللمع/ 200.

(67) اللمع/ 378.

(68) رواه البخاري، (111).

(69) اللمع/ 47.

(70) اللمع/ 200.

(71) رواه البخاري، (2072).

(72) اللمع/ 116.

(73) اللمع/ 116.

(74) اللمع/ 183،182.

(75) اللمع/ 375.

(76) اللمع/ 376.

(77) اللمع/ 382.

(78) اللمع/ 382.

(79) اللمع/ 382.

cytotec abortion abortion pill medical abortion pill online
cytotec abortion buy abortion pill medical abortion pill online
where can i buy abortion pills click here buy the abortion pill online
where to buy abortion pill go order abortion pill online
the unfaithful husband what makes a husband cheat how to cheat on wife
the unfaithful husband how to cheat on wife
women who cheat with married men reasons why women cheat on their husbands cheater
women who cheat with married men will my husband cheat again cheater
women who cheat with married men will my husband cheat again cheater
married men cheat reasons people cheat
read here reasons people cheat
why women cheat in relationships why women cheat on husbands how many guys cheat
cheats online read
I cheated on my girlfriend why do wifes cheat click
want my wife to cheat my husband almost cheated on me married cheaters


أعلى  
 
ما يفترونه من سماع النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخضر ، وبعثه أنس يسأله أن...
ما يفترونه من سماع النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخضر ، وبعثه أنس يسأله أن...


فإنه نتيجة لبعد كثير من المسلمين عن ربهم وجهلهم بدينهم في هذا الزمن فقد كثرت...
قال الحافظ ابن القيم "رحمه الله" في فصل عقده لأحاديث مشهورة باطلة من ((نقد المنقول والمحك...
اشتراك
انسحاب