اليوم : الخميس 5 شوال 1441هـ الموافق:28 مايو 2020م
أثر المحاسبي على الدراسات الصوفية وأبرز نظرياته
تاريخ الإضافة: الأثنين 3 صفر 1434هـ

أثر المحاسبي على الدراسات الصوفية وأبرز نظرياته

الصوفية :محمد فتحي


ليس ثَمَّ خلافٌ في أنَّ تربية النفس وتهذيبها هو الغاية من التصوُّف، فالمنهج الصوفي قائمٌ في الأساس على التجربة العمليَّة؛ لذا تعددت طرائقه واختلفت مناهجه، وبين اجتهادِ مصيبٍ، وخطأِ معذورٍ، ومباعدةِ منحرفٍ، وبدعةِ ضالٍّ تنوَّعتْ خُطى السائرين،

مما ترتَّب عليه وجوب الوقوف علي هذه التجارب بالنقد والتحليل إحقاقًا للحق ونُصحًا للمؤمنين وتبصرةً للسالكين، وهذه المهمة الجليلة لا تتمُّ إلا بدراسة رجالات التصوُّف وروَّادِهٍ المُتَّبَعِين ودراسة آثارهم وآرائهم، وبين هؤلاء يبرز

الحارث بن أسد المحاسبي ت 243 هـ

حلبة للمتبارين وميدانا للمتسابقين إذ كان محله من التصوف محل العمود من الخباء والرأس من الجسد، وإن كان بإمكاننا تلخيص تأثيرات الحارث المحاسبي في الدراسات الصوفية في ناحيتين:

الأولى - الناحية العلمية

ومن هذا الجانب فالحارث المحاسبي عالم متفنن صاحب تآليف كثيرةٍ، حتى أنها كما حكاه السبكيُّ أَرْبَت على المائتين(1)، وهي في مُجملها تشتمل

على نواحٍ عديدةٍ من فنون العلم، وإن كان أكثرُها ينصَبُّ على علم الكلام وعلم السلوك والتصوف والذي يَعنينا في المقام الأول منها الآن هذه التي تُعنى بالجانب السلوكيِّ وآداب النفس والزهد والتصوف؛ إذ إن مؤلفاته في علم الكلام لم تحْظَ بالقبول نظرًا لمُجابهة الإمام أحمد لها بالرفض الصريح والتحذير منها،

مما أدَّى إلى إهمالها وهجرها، وإن استفاد منها وحذا حذوَها بعضُ من سلكوا مسلكَ الحارثِ المحاسبيِّ في متابعة ابنِ كُلَّابٍ كأبي الحسن الأشعريِّ والقلانسي وغيرهم،

إذ كان الحارث من مثبتة الصفاتية على مذهب ابن كُلَّابٍ في علم الكلام،

وهو أحد الأسباب التي استوجب بها المحاسبيُّ التحذيرَ منه من علماء السلف الأثبات ممن عاصروه كالإمام أحمد وأبي زرعة الرازي،

وقد أدرك ذلك مبكرًا أيضا أئمةُ التصوف من معاصري المحاسبي

«قال الجنيد - رحمه الله - قال لي السري شيخي يوماً إذا قمت من عندي فمن تجالس قلت المحاسبي فقال نعم خذ من علمه وأدبه ودع عنك تشقيقه الكلام ورده على المتكلمين ثم لما ولَّيْتُ سمعته يقول: جعلك الله صاحب حديثٍ صوفيًّا ولا جعلك صوفيًّا صاحب حديث»(2)

نقول هذا وإن لم تخْلُ كُتُب التصوُّف من حديثٍ عن الكلام وفيه، كما لم تخْلُ كُتُب الكلام عن زُهديَّات الحارث وتدقيقاته في أدب النفس، وذلك إنما يعود إلى أن المؤلف واحد، وأيضا لعدم الفصل الحقيقي بين العلوم، فصفات الله جانبٌ لا يغيب عمن يكتب في تعظيم أمره ونهيه والحديث عنه، كما

 

أن مسالك الحارث في الزهد تكون حاضرة عند استنباطه من القرآن في مثل كتابه "فهم القرآن"، وهذه المدرسة

هي التي فتحتِ الباب واسعًا أمام المتكلمين ليلِجوا إلى التصوُّف، إذ كان من قبلُ خاليًا منهم، فتعانقت المدرسة الكلامية من ورثة علم المحاسبيِّ من الأشعريَّة مع ورثة علمه من الصوفيَّة، وكان القرن الرابع تتويج هذه العلاقة الظاهرة، فعلى سبيل المثال:

تتلمذ على أبي الحسن الأشعري كلٌّ من بندار بن الحسين الشيرازيِّ وابنِ خفيفٍ وهما من تلامذة أصحاب الحارث، وعن الثاني منهما أخذ الأصول الباقلاني وإمام الحرمين من شيوخ الأشعريَّة.

 

إلا أنَّ كتبه التي في جانب التصوف وتهذيب النفس والزهد وآداب السلوك حَظِيت باهتمامٍ أكثر إذ أولع بها بعضُ كبارِ علماء الصوفية حتى إننا لا نُبالغ إن قلنا إنها كانت مادة لكتب أتت بعدها صارت هي الأساس لمريدي علومِ التصوف في مشارق الأرض ومغاربها، ككتاب "قوت القلوب" لأبي طالب المكي، و"إحياء علوم الدين" لأبي حامد الغزالي وغيرها

،يقول شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وأمَّا ما في "الإحياء" من الكلام في المهلكات مثل: الكلام على الكبر، والعجب، والرياء، والحسد، ونحو ذلك فغالِبُهُ منقولٌ من كلام الحارث المحاسبيِّ في "الرِّعاية"»(3)، على حين يرى "ماسنيون" أن أبا طالبٍ والغزاليَّ وإن تَبِعا المحاسبيَّ وأخذا عنه «لكن أيًّا منهما لم يصلْ إلى ما وَصلَ إليه المحاسبيُّ في تسلسل أحوالِ النفوس، وفي منهج علم النفسِ التجريبي»(4)،

وليس حديثنا هنا قاصرا على كتاب "الإحياء" للغزالي بل تعداه إلى غيره من كتبه بل أيضا إلى منهجه في التفكير

«ومن يتابع النصوص في كل من كتاب "الوصايا" للحارث وكتاب "المنقذ" للغزالي يجد الشبه العجيب بين كلٍّ من هذين الكتابين، مما يؤكد مدى اعتماد الغزالي على الحارث في كثير من جوانب المنهج وموضوعات البحث»(5).

ولعل أحد أكبر أسباب رواج كتب المحاسبيِّ ذلك النهجُ الذي تبنَّاه في كتابتها؛ فقد كان يكتبها كجوابٍ لما يقعُ في أنفُس السائرين من أسئلةٍ، يقول عن ذلك تلميذُهُ الجُنيد: «كان الحارث المحاسبي يجيء إلى منزلنا فيقول: اخرج معي نصحر فأقول له: تخرجني من عزلتي وأَمْني على نفسي إلى الطرقات والآفات ورؤية الشهوات؟! فيقول: اخرج معي ولا خوفَ عليك، فأخرج معه فكان الطريق فارغًا من كل شيءٍ لا نرى شيئًا نكرهُهُ، فإذا حصلتُ معه في المكان الذي يجلس فيه قال لي: سلني، فأقول له: ما عندي سؤالٌ أسألك، فيقول لي: سلني عمَّا يقع في نفسك فتنهال عليَّ السؤالاتُ،

فأسأله عنها،

فيُجيبني عليها للوقت،

ثم يمضي إلى منزله فيعملها كُتُبًا»(6)

وهي طريقةٌ لا تكلُّفَ فيها مع ما فيها من حياةٍ ورُواء لذا كانت كُتُب الرجل أصدقَ تعبيرٍ عن قضايا عصره وأمسَّها بقلوب مريدِيه وأبعدها عن الفضول والحشو.


زاد كذلك من رغبة الناس في كتبه ما تمتَّع به المحاسبيُّ من بيانٍ مشرقٍ وعربيةٍ سليمةٍ وأسلوبٍ لا يُملُّ حلاوةً؛ وليس ذلك غريبًا عن مثل الحارث، فقد كان والزمانُ زمان، وهو عربيٌ ذو نسب خالص، نشأ بالبصرة،

أضف إلى ذلك تتلمذه على أئمة اللغة كأبي عبيد القاسم بن سلام، كما يلوح في طريقته في الكتابة تأثُّرُه بالجاحظ وسهل بن هارون الأدِيبَينِ،

ولم يُعكر هذا كلَّه إلا قدرٌ من الغموض دَخَل على بيانه لتأثره بعلم الكلام وجنوحِه في تصوفه إلى الحديث عن دقائق النفس ومساربها والتعمق في ذلك،

وها هو ذا الغزاليُّ نفسُه يُصدِّق ما قُلناه، ففي معرض كلامِه على تفضيل الفقر على الغِنَى يقول: «والمحاسبي - رحمه الله - حَبرُ الأمة في علم المعاملة، وله السَّبقُ على جميع الباحثين عن عيوب النفس وآفات الأعمال وأغوار العبادات، وكلامه جديرٌ بأن يُحكَى على وجهِهِ»(7).

وعلى كُلٍّ فقد تميَّز المحاسبي بالتركيز على الفروق اللغوية بين الألفاظ وانعكاسها على المعاني النفسية الدقيقة وكان من أوائل من استعاروا لغة العشاق للتعبير عن هواجسهم النفسية(8).

كما لاح في مصنفاته أيضًا تأثُّرُه بأهل الحديث، وكيف لا؟ وهو المُحدِّث - كما نعتَه مترجِمُوه - تلميذ يزيدَ بنِ هارون وعصريُّ أحمدَ والشافعيِّ، وذلك في ميله إلى الدليل وانعتاقه من ربقة التقليد؛

يقول الشيخ عبد الحليم محمود عنه: «والمُلاحظ أنه عند الرجوع إلى رأي غيرِه لا يتعلق به وإنما يولي جُلَّ اهتمامِه إلى البراهين التي أُسِّس عليها؛ ولذلك فهو يذكر لنا في أغلب الأحوال مصادر رأي الغير»(9).

 

نقول هذا وإن لم تخلُ كتبُ الرجل من آفةٍ عابها عليه الكثيرُ من أهل العلم وهي عدم اعتنائه بالاستشهاد بالحديث الصحيح، فهو في هذا الباب لم يُفرِّق بين الصحيح والضعيف،

بل والموضوع أحيانا - وإن قَلَّتْ -، وجَعَل هذه الروايات أصولًا يبني عليها فيرفع البنيان ولا أساسَ،

وفي هذا يقول الحافظ أبو بكر ابنُ العربيِّ في "شرحه على الترمذي" بعد ذكر كلامٍ للحارث طويلٍ: «لولا تعلقه بأحاديث ضعاف وبناء الأصول عليها فإن وقف عليها علماءُ الحديث سخروا من ذلك وهزؤا به، مع أنه لَقِي أحبارَ الدنيا فيه كابنِ أبي شيبة وغيره»(10)، وقد تابعه على ذلك كثيرٌ ممن أخذوا منه إذ كانت كتُبُه عُمدًا وأصولًا في أبوابها لمن أتى بعده وليس "قوت القلوب" و"إحياء علوم الدين" عنا ببعيد.

 

الثانية- الناحية العمليَّة

فالأمر فيها مُتَّسع إذ الحارث المحاسبي كان في سُرَّة الدنيا ودار الخلافة "بغداد"،

لَقِي فيها الكثيرَ وأخذ عنه الكثيرُ، وكان الرجل معلمًا ومربيًّا، والحارث كما يقول عنه السُّلمي: «أستاذُ أكثر البغداديينَ»(11)،

وهو لفضله وعلمه وحاله احتلَّ في تاريخ التصوف منزلةً عاليةً،

يقول أبو عبد الله بن خفيف: «اقتدوا بخمسة من شيوخنا والباقون سَلِّموا لهم حالَهم: الحارث بن أسد المحاسبي، والجنيد بن محمد، وأبو محمد رويم، وأبو العباسي بن عطاء، وعمرو بن عثمان المكي؛ لأنهم جمعوا بين العلم والحقائق»(12)، فنحن أمام مدرسةٍ جامعة، وإمامٍ كبير انتشر تلاميذٌه وكثُرت كتُبُه وصار مُتَّبعًا مُعظَّمًا فلا ريب كان لتوجيهاته أثرٌ كبير لا يُنكر على أتباعه وأنت لا تستطيع أن تقف على حجم هذا التقدير

وتلك التبعيَّة حتى تنظرَ إلى ما كتَبَه الهجويريُّ في كتابه "كشف المحجوب"

إذ يقول: «وجملة المتصوفة اثنتا عشرة فرقة، منهم فرقتان مردودتان، وعشر مقبولة، وأولى الفرق المقبولة المحاسبية ...

وأما الفرق المردودة فالحلولية والحلاجية»(13)، فالرجل إمام متَّبعٌ صاحب طريقة ومنهج وله فرقة باسمه وهو قد مارس التعليم والإمامة قرابة ربع قرنٍ من الزمان في بيئةٍ لعلها هي الأخصب في العالم  وقتذاك.

والناحية العمليَّة - في بحثنا هذا - لا تنفصل عن الناحية العلميَّة إلا لضرورة التقسيم فالرَّجُل كان يؤلِّف كتبه لتُلبِّي حاجات تلاميذه وتحلَّ مشاكلهم فكتبه مع أنها تسجيل لمشاكل عصره وحلوله لها، فهي أيضًا منبر توجيه فعَّال لدى أتباعه ومريديه،

وهذه الكتب إنما ساعده على تأليفها تعهُّدُه لنفسه وتفقُّدُه لمريديه، وثَمَّ وجهٌ آخر لعدم الانفصال الحقيقي بين الناحية العلميَّة والناحية العمليَّة وهو أننا إنما نعالج مسائل النفس وآداب السلوك ودقائق الزهد وهي ليست بالنظريات المجرَّدة، وإنما هي أحوال ومقامات تفقِد كل ميزتها حين تكون أبوابا من العلم تقرأُ بقلبٍ بارد ونفسٍ لاهية.

 

أبرز نظريات المحاسبي في التصوف

أولا: قضية المحاسبة:

وهي تُعدُّ أحدي أكبر الأسس التي تقوم عليها طريقة الحارث

ومنهجه حتى أنه لمن طريف القول أن الرجل لم يكن ليُسمَّى بالمحاسبي إلا لما تركتْ عليه السِّمةُ من دلالةٍ(14)، يقول الأستاذ عزيز السيد جاسم:

«إن الفكرة المحورية التي تدور حولها أفكار الحارث المحاسبي هي محاسبة النفس»(15)، ويقول الحارث المحاسبي: حاسب نفسك في كل خطرة وراقب الله في كل نفس»(16).

ويقول الأستاذ عبد المنعم الحفني: «والمحاسبة التي يقول بها المحاسبي والتي ينسب إليها هي محور تفكيره الصوفي ومذهبه في التصوف، وهي موازنة يقول إنها في ثلاث مواطن: فيما بين الإيمان والكفر، وفيما بين الصدق والكذب، وبين التوحيد والشرك»(17).

ويروي أبو نعيم الأصبهاني بسنده عن الحارث:

«سئل: بم تحاسب النفس؟ قال: بقيام العقل على حراسة جناية النفس فيتفقد زيادتها من نقصانها، فقيل له:

ومم تولد المحاسبة؟ قال: من مخاوف النقص، وشين البخس، والرغبة في زيادة الأرباح،

والمحاسبة تورث الزيادة في البصيرة، والكيس في الفطنة، والسرعة إلى إثبات الحجة، واتساع المعرفة،

وكل ذلك على قدر لزوم القلب للتفتيش، فقيل له: من أين تخلف العقول والقلوب عن محاسبة النفوس؟

قال: من طريق غلبة الهوى والشهوة؛ لأن الهوى والشهوة يغلبان العقل والعلم والبيان»(18)،

والواضح أن المسألة لم تكن عند الحارث المحاسبي بقدر كبير من الاعتدال فمالَ فيها رأيُه – وسبحان الذي العصمة بيده – فهذا هو الحافظ ابن كثير يعلل سبب تحذير الإمام أحمد من الحارث فيقول: «بل إنما كره ذلك لأن في كلامهم من التقشف وشدة السلوك التي لم يرد بها الشرع، والتدقيق والمحاسبة الدقيقة البليغة ما لم يأت بها أَمْرٌ، ولهذا لما وقف أبو زُرْعة الرازيُّ على كتاب الحارث المسمى بالرعاية قال: هذا بدعةٌ»(19).

ثانيا: قضية الخروج عن الأموال والتضييق على النفس في المباحات:

كان الحارثُ يرى أن جمع المال منهيٌ عنه في الكتاب والسنة حتى احتج بأخبار واهية، وتلقف منه هذه الدعوى الغزالي وشيَّدها ونصرها لذا شنَّع ابنُ الجوزيِّ عليه فقال: «وأما كلام المحاسبي فخطأٌ يدلُّ على الجهل بالعلم، وقولُه إنَّ الله عز وجل نَهَى عبادَه عن جمع المال وأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نَهَى أمَّته عن جمع المال فهذا محالٌ، إنَّما النهيُّ عن سوء القصد بالجمع، أو عن جمعه من غير حله»(20)، وأطال النفس في ردِّه فراجعه إن شئت.

- واشتهر عنه القول بتقليل المطعم ومجاهدة النفس بترك المباحات وهو ما سماه ابن كثير بالتقشف وشدة السلوك التي لم يرد بها الشرع، وحكاها أيضًا ابن الجوزي: «ثم جاء أقوام يتكلمون لهم في الجوع والفقر الوساوس والخطرات وصنفوا في ذلك مثل الحارث المحاسبي»

فقال رادًّا عليه: «لا يُلتفت إلى قول الحارث المحاسبي وأبي طالب المكيِّ فيما ذكرا من تقليل المطعم ومجاهدة النفس بترك مباحاتها فإن اتِّباعَ الشارع وصحابته أولى وكان ابنُ عقيلٍ يقول: ما أعجب أموركم في التَّديُّن، إمَّا أهواءٌ متَّبعة، أو رهبانيَّة مبتدعة، بين تجرير أذيال المَرح في الصِّبا واللعبِ، وبين إهمال الحقوق واطّراحِ العيال واللحوقِ بزوايا المساجد، فهلا عَبدوا على عقلٍ وشرع»(21).

 

- هذا وقد وقف الحارث المحاسبي أمام شطحات الصوفية في باب التوكُّل، يقول ابن تيمية: «وزعمت  طائفةٌ أن من تمام التوكل ألا يحملَ الزاد [أي في الحج وغيره من الأسفار] وقد ردَّ الأكابرُ هذا القول كما ردَّه الحارثُ المحاسبي في كتاب "التوكل"، وحكاه عن شقيقٍ البلخيِّ وبالغ في الرد على من قال بذلك وذكر من الحجج عليهم ما يبين به غلطهم وأنهم غالطون في معرفة حقيقة التوكل وأنهم عاصون لله بما يتركون من طاعته»(22).

 

ثالثا: الكلام في الوساوس والخطرات: وهي التي عابها عليها معاصروه من العلماء

كأحمد وأبي زرعة وعلَّلُوا ذلك بعدم تَقدُّم الحديث عنها في كلام السلف الصالحين المشهودِ لهم بالخيريَّة، فعن إسحاق بن إبراهيم قال: «سمعت أحمد بن حنبل يقول: مَن تكلَّم في الخطرات؟ التابعون؟! تابعوا التابعين؟!»(23) .

بل صرَّح أبو زُرعة ببدعيتها فعن: «سعيد بن عمرو البرذعي قال: شهدت أبا زرعة - وسئل عن الحارث المحاسبي وكتبه - فقال للسائل: إياك وهذه الكتبَ، هذه كتب بدع وضلالات، عليك بالأثر، فإنك تجدُ فيه ما يُغنيك عن هذه الكتب، قيل له: في هذه الكتب عبرةٌ،

قال: مَن لم يكن له في كتاب الله عبرةٌ فليس له في هذه الكتب عبرة، بَلَغكم أن مالكَ بنَ أنسٍ، وسفيان الثوريَّ، والأوزاعيَّ، والأئمة المتقدمين، صنفوا هذه الكتبَ في الخطرات والوساوس وهذه الأشياء؟ هؤلاء قوم خالفوا أهل العلم»(24)، بل إن بعض مُتقدميِّ المتصوِّفة كان يَفْرَقُ من الكلام فيها، فعَن محمد بنِ ريان قال: «سمعتُ ذا النون وجاءه أصحابُ الحديث فسألوه عن الخطرات والوساوس فقال: أنا لا أتكلمُ في شيءٍ من هذا فإنَّ هذا مُحدَثٌ، سلوني عن شيءٍ في الصلاة أو الحديث»(25).

 والمقصود بالوساوس والخطرات البحث في آفات النفس من الأحوال والمقامات الصوفية كالوجد والشوق والقرب والأنس والغيبة والحضور والإيثار والذكر والتوبة  ورؤية الله(26)، والمذموم منها ما كان عن غير دليل، يقول ابن رجب: «إنما ذمَّ أحمدُ وغيرُه المتكلمين على الوساوس والخطرات من الصوفيَّة حيث كان كلامهم في ذلك لا يستند إلى دليلٍ شرعي، بل إلى مجرد رأي وذوقٍ، كما كان ينكرُ الكلامَ في مسائل الحلال والحرام بمجرَّد الرأي من غير دليلٍ شرعي»(27)،

ويَزيد هذا بيانًا ما قاله أحمد بنُ القاسم: «سمعت أبا عبد الله ورجلٌ يسأله مِن أهلِ الشام، رجلٌ غريبٌ: فذَكَر أن ابنَ أبي الحواريِّ وقومًا معه هناك يتكلمون بكلامٍ قد وضعوه في كتابٍ ويتذاكرونه بينهم، فقال: ما هو؟ قال: يقولون المحبةُ لله أفضلُ من الطاعة، وموضِعُ الحب درجةُ كذا، فلم يدَعْه أبو عبد الله يَستتِمُّ كلامَه، وقال هذا ليس من كلام العلماء، لا يُلتفت إلى مَن قال هذا، وأنكر ذلك وكرِهَهُ»(28).

 

والحمد لله أولا وآخرًا.

 

المراجع 

(1) "طبقات الشافعية الكبرى" (2/276).

(2) "إحياء علوم الدين" (1/22).

(3) "مجموع الفتاوى" (10/551).

(4) نقلا عن " أستاذ السائرين الحارث بن أسد المحاسبي " (ص74).

(5) مقدمة" فهم القرآن " (ص90).

(6) "حلية الأولياء" (10/74).

(7) "إحياء علوم الدين" (3/264).

(8) "متصوفة بغداد" (ص 106) نقلا عن مقدمة "فهم القرآن" للقوتلي.

(9) "أستاذ السائرين" (ص131).

(10) "عارضة الأحوذي" (5/202).

(11) "طبقات الصوفية" (ص 58).

(12) "الرسالة القشيرية" (ص51).

(13) "كشف المحجوب" (ص343) بتصرف.

(14)"الموسوعة الصوفية" (ص351).

(15) "متصوفة بغداد" (ص112).

(16) "رسالة المسترشدين" (ص46) وما بعدها.

(17) "الموسوعة الصوفية" (ص355).

(18) "حلية الأولياء" (10/88).

(19) "البداية والنهاية" (10/330).

(20) "تلبيس إبليس" (ص161).

(21) "تلبيس إبليس" (ص136).

(22) "مجموع الفتاوى" (8/529).

(23) "الآداب الشرعية" ابن مفلح (2/80).

(24) "تاريخ بغداد" (8/211).

(25) "تلبيس إبليس" (ص18).

(26) مقدمة "العقل وفهم القرآن" حسين القوتلي (ص 60).

(27) "جامع العلوم والحكم" (2/104).

(28) "الآداب الشرعية" ابن مفلح (2/80).

 

cytotec abortion read here medical abortion pill online
cytotec abortion abortion pill where to buy abortion pills online
cytotec abortion click where to buy abortion pills online
where can i buy abortion pills click here buy the abortion pill online
where can i buy abortion pills abortion pill buy the abortion pill online
medical abortion pill online go abortion pill buy online
where to buy abortion pill abortion pill order abortion pill online
where to buy abortion pill ordering abortion pills to be shipped to house order abortion pill online
the unfaithful husband what makes a husband cheat how to cheat on wife
the unfaithful husband dating for married people how to cheat on wife
the unfaithful husband how to cheat on wife
read here reasons people cheat
reason women cheat reasons people cheat
cheats my husband cheated read
I cheated on my girlfriend why do wifes cheat click
want my wife to cheat women who cheat on husband married cheaters


أعلى  
 
ما يفترونه من سماع النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخضر ، وبعثه أنس يسأله أن...
ما يفترونه من سماع النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخضر ، وبعثه أنس يسأله أن...


فإنه نتيجة لبعد كثير من المسلمين عن ربهم وجهلهم بدينهم في هذا الزمن فقد كثرت...
قال الحافظ ابن القيم "رحمه الله" في فصل عقده لأحاديث مشهورة باطلة من ((نقد المنقول والمحك...
اشتراك
انسحاب