اليوم : الخميس 5 شوال 1441هـ الموافق:28 مايو 2020م
تفكيك الفصوص وكشف النصوص .. قراءة معاصرة في فصوص الحكم لابن عربي
تاريخ الإضافة: السبت 2 جمادى الآخرة 1434هـ

تفكيك الفصوص وكشف النصوص

"قراءة معاصرة في فصوص الحكم لابن عربي"

موقع الصوفية: د.أحمد محمود السيد*

مقدمة:

يزدحم الخطاب الليبرالي في العالم الإسلامي مع نظيره الغربي بأجواء الحضور الفاعل للحديث عن الفكر الصوفي بوجه عام، والحديث عن فكر كبار المتصوفة وعلى رأسهم ابن عربي، ذلك المتصوف الذي أجمع الكثير من علماء السنة المعتبرين على فساد عقيدته وشطحات فكره المنحرف عن قواعد الإسلام الصحيحة، والمتمعن في أسباب استرجاع هذا التراث والدعوة إلى إحياء رموزه وطرحه في أطر مختلفة على لسان الاتجاهات السياسية والاجتماعية والدينية من الفكر الليبرالي، فضلًا عن وقوف قوى الفكر الغربي (الأمريكي والأوروبي) خلف تصدير هذه النزعات وإقحامها في معرض الحديث عن الإسلام (المعتدل) أو (التقليدي)، كما يتصور مفكريهم وساستهم([1])، بل وتأييدهم للاتجاهات الصوفية في العالم الإسلامي سياسيًّا واجتماعيًّا، أضف إلى ذلك التأييد الكامل من قبل الأنظمة الاستبدادية لهذا التيار([2]).

ولهذه الظاهرة ثلاثة أسباب أساسية أولها: إقصاء ما أسموه تيار الإسلام السياسي الذي ينادي بتطبيق الشق السياسي في الإسلام (الخلافة والإمامة والبيعة والشورى وأهل الحل والعقد إلخ)، والذي يعلي من شأن الجهاد في سبيل الله للوقوف أمام الأعداء ومقاومة الاستعمار وطرد الاحتلال.

ثانيها: اتسام الصوفية بطابع الإغراق في الذكر والإطار التعبدي والبعد عن المشاركة الإيجابية والفاعلة في معتركات الحياة السياسية والاجتماعية، وهو من مظاهر إعجاب القوى الغربية والأنظمة الاستبدادية حتى يتسنى لها إحكام السيطرة وفرض التصورات الخاصة بهم، وتهميش الإسلام وإبعاده عن ساحة المواجهة ونزع سلاحه الأساسي وضرب التميز الخاص به.

ثالثها: رغبة قوى التنصير العالمية في بلبلة العقيدة لدى المسلمين وتذويب العقيدة الإسلامية في العقائد الأخرى وطرحها في إطار شبيه بعقائد النصارى ليسهل إدماج المسلمين في دعوات التقريب بين الأديان حتى يسهل سوقهم خلف الماسونية العالمية بلا هوية، فيتحول المسلمون إلى مسخ يسهل قياده وتشكيله على هواهم.

يتكون هذا البحث من مقدمة ومحورين يتناول الأول: قواعد التفكيك وملامح الصياغة والتركيب عبر التعرض لمفهوم التفكيك ومفهوم الكشف والتعريف بكتاب الفصوص وصاحبه وأهمية كتاب الفصوص، ويتناول الثاني: الخلاصات التفكيكية والنهايات الكشفية من خلال ثمانية خلاصات:

أولًا: تماهي الحدود بين الولاية والنبوة.         

ثانيًا: خاتم الأنبياء وخاتم الأولياء.

ثالثًا: الإلهام الإلهي وكشف الحقائق.

رابعًا: إدراك يعلو إدراك الأنبياء.

خامسًا: اكتمال دائرة الولاية.

سادسًا: المعراج الموازي.

سابعًا: المركزية والغموض والتعقيد.

 ثامنًا: تهافت العلمانيين.

المحور الأول: قواعد التفكيك وملامح الصياغة والتركيب

هذا البحث محاولة لتحليل ما جاء به ابن عربي في كتابه (فصوص الحكم)، وذلك في ضوء المظاهر المعاصرة لإبراز هذا الفكر وتلميعه، وطرحه باعتباره إبداعًا في مجال الفكر الإسلامي يحتذى، بناء على ذلك فقد استخدمت المنهج الوصفي التحليلي، واستعنت بأدوات الحداثة الغربية مثل (التفكيكية)، بالإضافة لأداة من أدوات الصوفية وهي (الكشف).

مفهوم التفكيك:

الهدف الأساسي من التفكيك للنص هو تصديع بنية الخطاب وتفحص ما تخفيه من شبكة دلالية.

أو هو بصيغة أخرى: (تفكيك الخطابات والنظم الفكرية وإعادة النظر إليها بحسب عناصرها، والاستغراق فيها طويلًا إلى الإلمام بالبؤر الأساسية المطمورة فيها، ثم إعادة الصياغة تبعًا للرؤية التي يراها المفكك بعد ذلك، هنا تبدو خطورة استخدام نظرية تفكيك النص عند تطبيقها على النصوص الإسلامية في القرآن والسنة وغيرها من الكتب والنصوص، حيث يتم هدم بنية النص وإعادة صياغته حسب رؤية القارئ حتى وإن كان نصًا مقدسًا للقرآن، مما يعطي الفرصة للتلاعب وتحريف النص الأصلي وإضافة الرؤية الشخصية للقارئ ـ المتغيرة دائمًا ـ على النص الثابت بالوحي، وهناك دلالات أخرى ترتبط بمفهوم التفكيك أهمها:

عدم التمركز حول المعنى الأصلي للنص والدعوة إلى الاختلاف في المعنى وعدم ثباته، ونسبيتة الحقائق وتغيرها من شخص لآخر ومن قراءة لأخرى، يرى دريدا أن النص غير منجز ما دامت قراءته متواصلة ... بل إنه في دلالته يتضاعف مثل المتوالية الرياضية تبعًا لتعدد القراءات ... في التفكيكية ... تقترح حالة ليس فيها قيمة مهيمنة وإنما بينية من التكافؤات على قارئ النص أن يقوم باكتشاف المابين)([3]).

مفهوم الكشف([4]):

يعتبر مصطلح الكشف من المصطلحات الأساسية في فكر الصوفية وهو يرتبط في دلالته ـ في مفهوم الصوفية ـ بمعرفة حقائق بعض الأشياء معرفة مباشرة بين الله و"العارف" بالله وهي معرفة قلبية في المقام الأول تربط بين الخطوط الناظمة لمحاور أساسية في الكون باعتبارها معارف إلهية لا يصل إليها إلا الخواص وخواص الخواص من المسلمين العارفين بالله ـ على حد زعمهم ـ ولا يصل إلى مرحلة الكشف إلا من كابد في طرق الوصول إلى الله بالترقي والانتقال من طبقة أدنى إلى طبقة أعلى بواسطة شيوخ يدلونه على معالم هذا الطريق. أو هي هبة يُعطاها العبد الذي وصل بطريقته التعبدية إلى المعارف الإلهية.

 عرفها الجرجاني بأنها (الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية والأمور الحقيقية وجودًا وشعورًا)
ومعنى الحجاب في هذا التعريف، هو كل ما يستر مطلوبك، وهو عند الصوفية (انطباع الصور الكونية في القلب المانعة لقبول تجلي الحق)، وأورد لها مجموعة من المترادفات مثل: الخاطر والوارد والتجلي والمحادثة والمسامرة والذوق والبصيرة، واعتبرها آخرون بمثابة درجات أو طبقات للكشف.

في كتاب الفصوص يتضح جليًّا مفهوم الكشف الذي يدعي ابن عربي أنه توصل به إلى معارف لا تعطى إلا لمن خصهم الله بها من الأولياء والأنبياء والأتقياء، وأن هناك أشياء عرفها الله له وخشي أن يطلع الناس عليها لأن قلوبهم لا تتحمل ولا تتسع لتفهم معانيها.

التعريف بكتاب الفصوص وصاحبه:

وُلد محيى الدين أبو بكر محمد بن على بن محمد الحاتمي الطائي المرسي الملقَّب بابن عربي، المعروف بالشيخ الأكبر؛ سنة 560 هجرية، بمرسية (من بلاد الأندلس) وتوفى سنة 638 هجرية بدمشق، ودفن بسفح جبل قاسيون، وما بين المولد والوفاة عاش ابن عربي حياةً عارمةً وخاض دروبًا كثيرة لا حدَّ لها، فتعدَّدت رحلاته وارتحالاته من الأندلس إلى الشام، وتنوَّعت تآليفه ومصنفاته، من الرسائل القصار إلى المدوَّنات الصوفية المشتملة على عشرات المجلدات، وحفل التراث العربي بمجموعات من المؤلفات التي وضعها منتقدوه ومكفروه، ومجموعات أخرى وضعها محبوه ومؤيدوه؛ فهناك ما يزيد على (900) تسعمائة كتاب نسبت إلى ابن عربي، ويعتبر كتابي (الفتوحات المكية، وفصوص الحكم) من أهم أعماله، ولهما نصيبًا كبيرًا من الاهتمام والمكانة في نفوس الصوفية وأذهان الباحثين([5]).

أهمية كتاب الفصوص:

يعتبر كتاب (الفصوص) أعظم مؤلفات ابن عربي كلِّها قدرًا، وأعمقها غورًا، وأبعدها أثرًا في تشكيل العقيدة الصوفية في عصره وفى الأجيال التى لحقته، وقد هوجم عليه ابن عربي كما لم يهاجم صُوفِىٌّ على كتاب! حتى أن الذهبىَّ وصفه بأنه من أردأ تآليف ابن عربي، ثم أضاف: فإن كان لا كفر فيه فما في الدنيا كفرٌ، فواغوثاه بالله([6])، بينما وصف صدر الدين القونوي ـ تلميذ ابن عربي ـ الفصوص بأنها: من أنفس مختصرات شيخنا، وهو من خواتم منشآته وأواخر تنزلاته، ورد من منبع المقام المحمدي والمشرب الذاتي والجمع الأحدي، فجاء مشتملًا على زبدة ذوق نبينا([7]).

وقد ادعى ابن عربي أنه كُتب الفصوص بمددٍ إلهي، عبَّر عنه "الشيخ الأكبر" بقوله في مقدمة الفصوص: رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في مُبشِّرةٍ أُريتها في العشر الآخِر من محرم سنة سبعٍ وعشرين وستمائةٍ بمحروسةِ دمشق، وبيده صلى الله عليه وسلم كتابٌ، فقال لى: هذا كتاب فصوص الحكم خذه واخرج به إلى الناس ينتفعون به، فقلت: السمع والطاعة([8]).

وقد عبر عن ذلك بشعر قائلًا:

فمن الله فاسمعوا وإلى الله فارجعوا                فإذا مـا سمعتم ما أتيـــت بــــه فعـــــوا

وتتألَّف فصوصُ الحكم من مقدمةٍ قصيرةٍ وسبعةٍ وعشرين فصلًا، كلُّ فصلٍ هو فصٌّ ـ أو: جوهرةٌ ـ لحكمةٍ خفيةٍ رآها الشيخُ الأكبرُ في حقيقةٍ نبويَّةٍ فارتبطت كلمة كل نبيٍّ، بحكمةٍ ذوقيةٍ بعيدة الغور، فجاءت الفصول (الفصوص) كالتالى:

1- فصُّ حكمةٍ إلهيةٍ في كلمة آدميةٍ.

2- فصُّ حكمةٍ نفثيةٍ في كلمةٍ شيثيةٍ.

3- فصُّ حكمة سبوحية في كلمة نوحية.

4- فصُّ حكمة قدُّوسية في كلمة إدريسية.

5- فصُّ حكمة مهيِّمية في كلمة إبراهيمية.

6- فصُّ حكمة حقِّية في كلمة إسحاقية.

7- فصُّ حكمة علية في كلمة إسماعيلية.

8- فصُّ حكمة روحية في كلمة يعقوبية.

9- فصُّ حكمة نورية في كلمة يوسفية.

10- فصُّ حكمة أحدية في كلمة هودية.

11- فصُّ حكمة فتوحية في كلمة صالحية.

12- فصُّ حكمة قلبية في شعيبية.

13- فصُّ حكمة مكية في كلمة لوطية.

14- فصُّ حكمة قَدرية في كلمة عزيرية.

15- فصُّ حكمة نبوية في كلمة عيسوية.

16- فصُّ حكمة رحمانية في كلمة سليمانية.

17- فصُّ حكمة وجودية في كلمة داودية.

18- فصُّ حكمة نفسية في كلمة يونسية.

19- فصُّ حكمة غيبية في كلمة أيوبية.

20- فصُّ حكمة جلالية في كلمة يحيوية.

21- فصُّ حكمة مالكية في كلمة زكرياوية.

22- فصُّ حكمة إيناسية في كلمة إلياسية.

23- فصُّ حكمة إحسانية في كلمة لقمانية.

24- فصُّ حكمة إمامية في كلمة هارونية.

25- فصُّ حكمة علوية في كلمة موسوية.

26- فصُّ حكمة صمدية في كلمة خالدية.

27- فصُّ حكمة فردية في كلمة محمدية([9]).

المحور الثاني: خلاصات تفكيكية ونهايات كشفية

بتطبيق المنهج التحليلي واستخدام النظرية التفكيكية على كتاب الفصوص في ضوء المظاهر والعوامل التي تصاحب هذا الفكر قديمًا وحديثًا، يمكن التركيز على مجموعة من الخلاصات أهمها:

أولا: تماهي الحدود بين الولاية والنبوة:

جاء مضمون كتاب الفصوص معبرًا عن نظرية ابن عربي في الولاية والنبوة، تلك النظرية التى تكاد فيها الحدود تنمحي بين مفهومىْ: نبوةٍ، ولايةٍ، بينما تتوثَّق بين المفهومين الصلاتُ، حتى يكاد المفهومان أن يتطابقا، ولذا لم يحصر ابن عربي أنبياء (القرآن) في الفصوص وتعمَّد إيراد من هم ليسوا بأنبياء ـ في العرف العام ـ بل أولياء، وقد اعتبر ابن عربي أن أنبياء الفصوص هم الحقائق الأزلية للولاية، ومظاهر التجلِّى الإلهي الدائم في الوجود، منذ آدم وحتى ابن عربي نفسه([10])!

ثانيًا: خاتم الأنبياء وخاتم الأولياء:

لِمَ اقتصر "الشيخ الأكبر" في الفصوص على سبعة وعشرين فصًّا، مع أنه كان من الممكن إضافة واحدٍ من الأنبياءِ الذين تركهم (اليسع، ذا الكفل) فيكتمل العدد 28؟ أم أنه يوحي للقارئ من بعيد بأن الفصوص ينقصها الفص الثامن والعشرون؟ ولمن يكون هذا الفصُّ؟ فضلًا عن تقدير واهتمام ابن عربي بالرقم 28، عندما ذكر في الفتوحات أن المنازل التى قدَّرها الله للإنسان المفرد 28، واللغة التى ألَّف الله منها الكلمات، حروفها 28، ومنازل النار 28 منزلًا، وكل دركٍ من دركاتها به 28 منزلًا إلخ([11]).

وقد انتبه عبد الباقي مفتاح في شرحه للفصوص إلى ما ذكره ابن عربي ضمن كلامه في أسرار الحج - الباب 72 من الفتوحات المكية - من أن ارتفاع الكعبة سبعة وعشرون ذراعًا وذراع التحجير الأعلى، فهو ثمانية وعشرون ذراعًا، وانتبه إلى ما ذكره ابن عربي من رؤيا رأى فيها نفسه على شكل لَبِنتين، لبنة ذهب ولبنة فضة - في الباب 65 من الفتوحات المكية - وقد ذكر ابن عربي في الكلمة الشيثية من الفصوص أن هذه الرؤية لا يراها إلا خاتم الأولياء ـ يعنى نفسه ـ وذكر حديثٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم([12]): (إن مثلي مثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة ؟ قال فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين)([13])، يقول عبد الباقى مفتاح: (إذًا، فكل نبي من أنبياء أبواب الفصوص، هو عبارة عن لبنةٍ في الكعبة التى ارتفاعها سبع وعشرون مقدارًا على عددهم عليهم السلام، وذراع التحجير، للخاتم الثامن والعشرين) ([14])!

ومن هذه الناحية، راح صاحب المفاتيح يعيد تركيب الفصوص على نحوٍ عكسي، بدأه بالمرتبة 28 التى وشى هامسًا بأنها مرتبة ابن عربي نفسه، فأعطى لها عبد الباقى مفتاح الاسم الإلهي: رفيع الدرجات، وفى المرتبة 27 اسم: الجامع، وهو لمحمد عليه الصلاة والسلام، وفى المرتبة 26 الاسم: اللطيف، وهو لخالد بن سنان، وهكذا إلى المرتبة رقم 1 ولها اسم: البديع، وهو للإنسان الأول (آدم)([15]).

ولاشك في أن هذه النظرة لكتاب فصوص الحكم وتلك الفكرة القائلة بأن ابن عربي هو خاتم الأولياء الذي به اكتمل بنيانُ الولاية الكبرى واستُكمل بناء كعبة المعرفة، وهو الذي استحقَّ الفصَّ الثامن والعشرين المستور، كل ذلك له ما يؤكِّده في نصوص ابن عربي، إذا ما قُرئت الفصوص من هذه الزاوية([16]).

ثالثًا: الإلهام الإلهي وكشف الحقائق:

استعرض ابن عربي في كتاب الفصوص ـ حقائق الأنبياء كما تجلت في مرآته هو باعتباره داخلًا معهم في الدائرة نفسها! وقد ظهر ذلك ابتداءً من الفص الأول (الآدمي) حيث أشار إلى أن آدم هو النفسُ الواحدة التى خُلق منها النوع الإنساني، ثم أتبع ذلك بالكلام عن مقامه هو، يقول ابن عربي: ولما أطلعني الله سبحانه وتعالى، في سِرِّي على ما أودع في هذا الإمام الوالد الأكبر ـ يقصد آدم ـ جعلت في هذا الكتاب منه، ما حَدَّ لي، لا ما وقفت عليه، فإن ذلك لا يسعه كتابٌ، ولا العالم الموجود الآن([17]).

ويظهر من الفقرة السابقة تأكيد ابن عربي عملية الإلهام الإلهي و(الاطلاع) على حقيقة الكلمة الآدمية، كما يظهر تأكيدهُ (الوقوفَ) على الحقائق، وهو الوقوف الذي لن يصرِّح به، إذ جعل الله له ـ أو جعل هو لنفسه ـ حدًّا في التعبير عن الحقائق، نظرًا لأن العالم لا يحتمل إذاعة تلك الأسرار ولا يمكن أن يسعها كتاب([18]).

رابعًا: إدراك يعلو إدراك الأنبياء:

يدعي ابن عربي أنه يتبنى خطابًا قدسيًّا يمتد في سائر كتاب الفصوص، بل ويزيد عليه في مواضع أخرى حين يعلو فوق إدراك بعض الأنبياء! فيذكر ما غاب عنهم، بل وينتقدهم! وهو ما نراه على سبيل المثال في الفص (النواحي) الذي يصرِّح فيه ابن عربي بأن قوم نوح لم يستجيبوا له، لأنه دعاهم إلى التوحيد المطلق القائم على التنزيه دون التشبيه، فنوح: دعا قومه مكرًا، فأجابوه مكرًا كما دعاهم، ولو أن نوحًا جمع لقومه بين الدعوتين لأجابوه؛ فدعاهم جهارًا ثم دعاهم إسرارًا )فليس كمثله شيء) يجمع الأمرين في أمر واحد، فلو نوحًا ـ بنص كلام ابن عربي ـ يأتي بمثل هذه الآية لفظًا، لأجابوه([19])!

ويوسفُ الصديقُ عليه السلام، حين دخل عليه إخوته وأبوه وخالته، قال: {هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} [يوسف: 100]، ظنًّا منه بأن ذلك هو معنى الرؤيا التي رآها في صغره: {أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4] غير أنه ـ كما يقول ابن عربي ـ كان في المرتين راءٍ (حالم) فهو: لم يعلم أنه في النومِ عينه، ما برح! إذ الحياة كلها منام وهو ما يستدل عليه ابن عربي بالحديث الشريف: (الناس نيام فإذا ماتوا، انتبهوا)([20]).

النبي يوسف إذًا لم يدرك أن دخول إخوته عليه كان في منام الحياة الدنيويَّةِ، وهو منامٌ في منامٍ كان قد رآه وهو صغير! فلم يئول الرؤيتين، وكذلك إبراهيم الخليل عليه السلام ـ في الفصوص ـ رأى في المنام أنه يذبح ابنه، فهمَّ بذبحه! وكان عليه أن يئول رؤياه، ولذا خاطبه الله بقوله: {أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} [الصافات: 104-105]، ولم يقل له: (صَدَقْتَ في الرؤيا)، يقول ابن عربي: لأنه ما عبَّرها، بل أخذ بظاهر ما رأى، والرؤيا تطلب التعبير، وموسى غفل عن تزكية لله، وعما شرطه عليه الخضر في اتباعه([21]).

خامسًا: اكتمال دائرة الولاية:

يتجلى الأنبياءُ على مرآة ابن عربي في الفصوص باعتباره إنسان كامل عصره الذي به اكتملت الدائرة، دائرة الولاية أو النبوة الكبرى ـ لا الصغرى ـ وباعتباره اللبنة التي أكملت الجدار، وهو الأمر الذي لا يفتأ الشيخ الأكبر يذكِّرنا به في ثنايا الفصوص، فيقول ـ على سبيل المثال ـ في معرض كلامه عن علو مرتبة إدريس عليه السلام، الذي أخبرت الآيات عنه قائلة: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} [مريم: 57]، إن: العلو نسبتان، علو مكانٍ وعلو مكانةٍ، علو المكان {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا}، وأما علو المكانة فهو لنا، أعني المحمديين، قال تعالى: {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ} [محمد: 35].

وحين تخبر الفصوص عن حقيقة الخلافة التي لداود عليه السلام([22])، يقول ابن عربي: هنا دقيقة، لا يعلمها إلا أمثالنا ... وحين يتوقف عند حكمة (موسى) يقول الشيخ الأكبر، ما نصه: حكم موسى كثيرةٌ، وأنا إن شاء الله أسرد منها في هذا الباب، على قدر ما يقع به الأمر الإلهي في خاطري ... فكان أول ما شوفهت به من هذا الباب([23]).

سادسًا: المعراج الموازي:

تصل جرأة التعبير والإفصاح غايتها في الفصوص حين يُخبر ابن عربي عن معراجه الموازي لمعراج النبى صلى الله عليه وسلم، وهو المعراج الذي عاينه لما كان في السادسة والعشرين من عمره! وصرَّح به في الفصوص بقوله:

واعلمْ أنه لما أطلعني الحق وأشهدني أعيانَ رسلِهِ عليهم السلام وأنبيائه كلهم من البشريين، من آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم أجمعين، في مشهد أقمت فيه بقرطبة سنة ستٍ وثمانين وخمسمائة، ما كلَّمني أحد من تلك الطائفة إلا هود عليه السلام، فإنه أخبرني بسبب جمعيتِهِمْ، وأي بشارة للخلق أعظم من هذه؟ ثم من امتنان الله علينا، أن أوصل إلينا هذه المقالة عنه في القرآن ... إلخ([24]).

سابعًا: الرمزية والغموض والتعقيد:

لأن ما يقوله ابن عربي خارج عن حدود العقيدة الإسلامية ويصطدم بقواعد الإسلام الكلية في طبيعة الإيمان بالأنبياء ومكانة الأولياء، لذلك كله فقد احتاط للأمر بأن أحاط عباراته بأسوار الرمز وجعل (عقيدته) مشتتةً بين الفصول ـ فصول الفصوص وغيرها من مؤلفاته ـ بل وتعمد التمويه عليها والتعمية، بعباراتٍ مثل قوله في ديباجة الفصوص: ولستُ بنبي رسول، ولكني وارثٌ ولآخرتي حارث! وذلك هو المقول([25])، أما المسكوت عنه فهو معنى الوراثة، والقول بالنبوة العامة، والإلماح إلى دخوله في دائرة الولاية التى تكاد تطابق دائرة النبوة، وهمسه بالمعراج، وقراءته لحقائق الأنبياء والأولياء وإخفائه للفص الثامن والعشرين([26]).

وتبقى من بعد ذلك مشكلاتٌ كثيرةٌ، ومزالق عقائديةٌ وفقهيَّةٌ لا آخر لها، فمن ذلك: إذا كان الشيخ الأكبر قد حَلَّ في المرتبة باعتباره وارثًا من ورقة الحقيقة المحمدية، فإنه قد تجاوز حدود (الوراثة) وتطاول بالمقام إلى دائرة الأنبياء، حتى كاد أن يحشر نفسه في زمرتهم! وهو ما يتعارض مع صريح القرآن وصحيح الأحاديث، وكافة المنقول من الأصول الشرعية التي أكدت انغلاق باب النبوة، وهو بهذا يخالف ألف باء العقيدة الإسلامية وركن الإسلام الأول([27]).

ثامنًا: تهافت العلمانيين:

رغم كل ما يحمله ابن عربي من فكر منحرف وعقيدة يشوبها كثير من الخلط والتحريف، فقد تبنى الكثير من العلمانيين الدعوة له، وإضفاء هالة من القدسية والسمو الفكري على كتاباته لأسباب ترتبط بطبيعة الاتجاه العلماني الذي يدعو إلى فصل الدين عن مناحي الحياة السياسية والاجتماعية، والذي يؤمن بحرية الخوض في العقائد والأفكار والأديان وحرية الدخول والخروج من دين لآخر، والدراسة الحرة للأديان بعد نزع القدسية منها واعتبارها إنتاجًا بشريًّا قابلًا للنقد والتغيير والتعديل فضلًا عن الاحتفاء بروح السلبية والانغلاق والإغراق في التعبد والانسحاب من الأدوار الفاعلة في المجتمع.

يقول د.نصر حامد أبو زيد: الولاية المحمدية الخاصة تختصُّ بالعلماء العارفين من أتباع الشريعة الإسلامية، ولها دوْرتُها، وهي دورةٌ سرية لا يُعرف على التحقيق ممثلوها، ولا نعرف من ممثلي هذه الولاية سوى البداية والختم، فالبداية هي محمد من حيث كونه وليًّا، لا من حيث كونه نبيًّا، أي من جانبه الباطن لا الظاهر، أما الختم ـ ختم الولاية المحمدية ـ فهو ابن عربي نفسه([28]).

المراجع:

 

* مدير وحدة بحوث العالم الإسلامي بالمركز العربي للدراسات الإنسانية.

([1]) التصوف والدور القادم في خدمة الغرب، مركز الجزيرة العربية للدراسات على الرابط التالي

http://www.aljazeera-online.net/index.php?t=9&id=30

وانظر أيضًا: د.باسم خفاجي، المفهوم الأمريكي للاعتدال الإسلامي، قراءة في تقرير راند 2007م، مجلة البيان العدد 236، ربيع آخر 1428 هجرية، أبريل 2007م، حول معنى الاعتدال وربطه بالصوفية في نظر أمريكا.

([2]) الحركات الصوفية تعيش في ركاب السلطة، د.عمار علي حسن، موقع إيلاف ت 13 أبريل 2010م.

([3]) التفكيكية التأسيس والمراس، هشام الدركاوي، تقديم ومراجعة د.رجائي رضواني، دار الحوار للنشر، دمشق، ص(73).

([4]) انظر: التعريفات، الجرجاني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 2009، ص(237).

وانظر: معجم ألفاظ الصوفية، حسن الشرقاوي، مؤسسة مختار للنشر، القاهرة، ط1، 1987م، ص(27).

وانظر: اصطلاحات الصوفية، عبد الرزاق القاشاني، تحقيق د.محمد كمال جعفر، الهيئة المصرية العالمية للكتاب، القاهرة، 1981م، ص(132).

([5]) مؤلفات ابن عربي تاريخها وتصنيفها، د.عثمان يحيى، دار الهداية، القاهرة، 1992م، ص(135–144).

([6]) فصوص الحكم، ابن عربي، تحقيق د.أبو العلا عفيفي، دار الكتاب العربي، بيروت، ص(7).

([7]) مؤلفات ابن عربي، د.عثمان يحيى، ص(149).

([8]) خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم، داوود بن محمود القصري، منشورات أنوار الهدى، طهران، 1986م، ص(123).

([9]) المرجع السابق، ص(178).

([10]) تحقيق أبو العلا عفيفي، ابن عربي، ص(206).

([11]) مفاتيح الفصوص، عبد الباقي مفتاح، دار القبة الزرقاء، المغرب، ص(14).

([12]) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب المناقب، باب خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، (3342)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب ذكر كونه خاتم النبيين، (6101).

([13]) المرجع السابق، ص(18).

([14]) المرجع السابق، ص(37).             

([15]) فصوص الحكم، ابن عربي، ص(72).

([16]) المرجع السابق، ص(73).

([17]) المرجع السابق، ص(101).

([18]) المرجع السابق، ص(140).

([19]) فصوص الحكم، ص(85).

([20]) قال الحافظ العراقي وتبعه السبكي (4/170-171): لم أجده مرفوعًا، وإنما يعزى إلى علي بن أبي طالب، وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (102): لا أصل له.

([21]) المرجع السابق، ص(181).

([22]) المرجع السابق، ص(162).

([23]) المرجع السابق، ص(167).

([24]) المرجع السابق، ص(110).

([25]) المرجع السابق، ص(48).

([26]) المرجع السابق، ص(48).

([27]) انظر: ابن عربي صاحب كتاب فصوص الحكم إمام من أئمة الكفر والضلال، عبد الرحمن عبد الخالق، نص الكتاب على موقع المسلم.

([28]) فلسفة الـتأويل، دراسة في تـأويل القرآن عند محيي الدين ابن عربي، د.نصر حامد أبو زيد، دار التنوير، بيروت، 1983م، ص(236).

 

cytotec abortion abortion pill medical abortion pill online
cytotec abortion abortion pill medical abortion pill online
cytotec abortion abortion pill where to buy abortion pills online
where can i buy abortion pills click here buy the abortion pill online
medical abortion pill online go abortion pill buy online
medical abortion pill online abortion pill abortion pill buy online
where to buy abortion pill ordering abortion pills to be shipped to house order abortion pill online
the unfaithful husband how to cheat on wife
the unfaithful husband what makes a husband cheat how to cheat on wife
women who cheat with married men open cheater
women who cheat with married men reasons why women cheat on their husbands cheater


أعلى  
 
ما يفترونه من سماع النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخضر ، وبعثه أنس يسأله أن...
ما يفترونه من سماع النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخضر ، وبعثه أنس يسأله أن...


فإنه نتيجة لبعد كثير من المسلمين عن ربهم وجهلهم بدينهم في هذا الزمن فقد كثرت...
قال الحافظ ابن القيم "رحمه الله" في فصل عقده لأحاديث مشهورة باطلة من ((نقد المنقول والمحك...
اشتراك
انسحاب