اليوم : الخميس 5 شوال 1441هـ الموافق:28 مايو 2020م
الصوفية ومشيخة الأزهر (2)
تاريخ الإضافة: السبت 23 جمادى الأولى 1436هـ

الصوفية ومشيخة الأزهر (2)

توجيه المشيخة لمناهج التعليم في اطار الفكر الصوفي

(عبد الحليم محمود نموذجا)

موقع الصوفية: د. أحمد محمود السيد

مدير وحدة بحوث العالم الاسلامي

بالمركز العربي للدراسات الانسانية

يعتبر الشيخ عبد الحليم محمود أول من أدخل مناهج التصوف وعلم التصوف بشكل رسمي كمادة رئيسة في الكليات الشرعية وهي كلية أصول الدين وكلية الشريعة وكلية الدعوة الاسلامية، حيث كانت كلية الدعوة في بداية التأسيس وكذلك كلية الدراسات الاسلامية والعربية أقسام الفلسفة الاسلامية والعقيدة ([1]).. وقد قام بنفسه بوضع مناهج هذا العلم سواء الذين تقرر عليهم التصوف لسنة واحدة أو لأربعة سنوات، وكان الشيخ عبد الحليم محمود يقوم بالتدريس للتصوف أثناء توليه منصب شيخ الأزهر بتخصيص يوم من كل اسبوع لهذه المسألة رغم انشغاله بإدارة المشيخة والأهتمامات الأخرى.

وقد أدخل مادة  التصوف ايضا كمادة رئيسة في السنة التمهيدية للماجيستير في تلك الكليات. ([2])

قام الشيخ عبد الحليم محمود بتقديم كتب التراث الاسلامي في طبعات حديثة مبسطة ومحققة واختص بها جزء كبيرا لكتب التصوف والمتصوفة الشهيرة. ([3])

فلسفته في إعداد مناهج التصوف

انطلق الشيخ عبد الحليم محمود في إعداده لمادة التصوف وعلم التصوف على مجموعة من الأسس  أهم ركائزها: (ربط التصوف بالقرآن والحديث الشريف – ضبط التعريفات الصوفية للمصطلحات الخاصة بهم مثل الإلهام، الكرامات،وحدة الوجود، المجاهدة،الزهد،المريد، الشيخ – مفهوم الصوفية مفهوم القرب والحب في الله، مفهوم الرضا عن الله، شرعنة التصوف وقياسه بمقياس الشريعة. ([4])

الخطوط العامة لفلسفة التصوف عند الشيخ عبد الحليم محمود:

 1) – ربط التصوف بالقرآن الكريم وصحيح الحديث الشريف:

فيقول عن اساس التصوف أنه التمسك بالقرىن الكريم والحديث الشريف،"فمن تركها لم يكن من الاسلام في شئ استنادا لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم (تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي أبدا كتاب الله وسنتي) وقول الإمام الغزالي:"ولا يمكن سلوك هذا السبيل إلا بعد التلبس بمكارم الشريعة كلها ولا يصل فيه إلا من وظب على جملة من النوافل، فكيف يصل إليه من أهمل الفرائض" وكذلك قول ابن عربي: كل من رمى ميزان الشريعة من يده لحظة هلك.. واستنادا للاقوال المأثورة عند الصوفية:"لورايت أنسانا يطير في الهواء ويمشي على الماء وهو يتاطىأمرا يخالف الشرع فاعلم أنه شيطان ؟([5])

2) – ضبط تعريف إلهام الصوفية شرعيا:

فقد عرف اإلهام الصوفية بانه ما يحدث لهم من الكشف وهو محكوم بالكتاب والسنة، واستند في هذا إلى ول ابو الحسن الشاذلي ط إذا تعارض كشفك مع الكتاب والسنة فتمسك بالكتاب والسنة وقل لنفسك إن الله تعالى ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة ولم يضمنها في جانب الكشف ولا الإلهام ولا المشاهدة إلا بعد عرضها على الكتاب والسنة"([6]

3) – عدم ربط التصوف بالكرامات وخوارق العادات وتعريفه بأنه الترقي في التواصل مع الله:

يؤكد الشيخ عبد الحليم محمود على أن التصوف ليس كرامات وخوارق عادات بقدر ما هو ترقي في السلوك والاتصال بالله إلى أسمى الدرجات وأن الذين يربطون بين التصوف في جانب والكرامات من جانب آخر هم مخطئون، فإذا أكرم الله المتصوفة فبفضله وإن امتحنهم فليمحصهم.

 ثم استدل بالآيات {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2،3]

{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا } [الطلاق: 4] ويستند لما قد يتعرض له المتصوفة من الإبتلاء فيصبرون ويحتسبون فيرفعهم الله درجات مصداقا لما راه البخاري وأحمد والنسائي عن النبي صلى الله عليه وسلم  (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على قدر دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة ) ([7])

4) – التفريق بين وحدة الموجود ووحدة الوجود

ينظر الشيخ عبد الحليم محمود إلى مسألة وحدة الوجود من خلال التفريق بين وحدة الموجود ووحدة الوجود، فيقرر أن وحدة الموجود ليست من الاسلام في شئ ويفرق بين وحدة الموجود ووحدة الوجود فيعتبر الأولى معناها أن الخالق والمخلوق شئ واحد ، فيقول وما كان لمؤمن ولا يتأتى له أن يقول بوحدة الموجود كما قال بها الهنود قديما ونادى بها هيراقليطس عند الإغريق واسبينوزا في العصور الحديثة، أما وحدة الوجود – في رأيه – فمعناها أن الله وحده هو الوجود الحق الدائم القائم بذاته الذي يمنح الوجود  لمخلوقاته فهو سبحانه الذي {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50] {يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ} [فاطر: 41] {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [الرعد: 33]، ثم يقرر أن هذه هى وحدة الوجود عند الصوفية. ([8]) (8)

5) – تعريف التصوف بأنه مجاهدة نفسية:

يعرف عبد الحليم محمود التصوف بأنه ليس دراسة علمية ولا بحثا فلسفيا ولا تجربة حسية وإنما هو مجاهدة نفسيةعن طريق الخلوة والرياضة الرحية والذكر وتزكية النفس وتهذيب الأخلاق من النزعات والنزغات والشوائب، وذلك بذكر الله تعالى والاشتغال به والاكثار من النوافل مستندا لقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]

6) – التصوف يستمد وجوده من الشريعة الاسلامية:

يؤكد الشيخ عبد الحليم محمود على أن التصوف لا يستمد وجوده من الأفلاطونيةالحديثة التي دعا إليها أفلوطين، ولا من البرهمية التي ابتدعها الهنود ولا من الغنوصية المنحدرة من المسيحية ولكنه يستمد وجوده من الشريعة الاسلامية فمن يتدبر القرآن تدبرا حسنا فإن هذا التدبر تنفجر منه الحكمة وتبرز منه الحقائق التي هي في الواقع معناه العميق.([9])

7) – التصوف يتنافى مع العبودية للشهوات ويتعارض مع الافتتان بالدنيا والانشغال بها عن الله، وفي نفس الوقت ليس التصوف زهدا في الطيبات ولا انصرافا عن العمل ولا استسلاما للتواكل فإن الله أمر رسله بالأكل من الطيبات {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [المؤمنون: 51]، والله يدعو المؤمنين إلى العمل {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105]. ([10])

8) – المريد لابد له من شيخ يجنبه مزالق الطريق:

يوضح الشيخ عبد الحليم محمود علاقة المريد بالشيخ فيقول أن المريد يحتاج إلى قدوة سامية يهتدي بها في سلوكه، فالطفل يقيدي بأبيه والتلميذ يهتدي بأستاذه، وكذلك المريد لابد له من شيخ يرشده ويقويه ويجنبه مزالق الطريق و أخطاره، وقد بعث الله رسله ليكونوا قدوة مثالية للبشر، {أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 89، 90]

كما بعث الله خاتم رسله و أنبيائه ليكون اسوة حسنة، قال تعالى {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } [الأحزاب: 21] ([11])

9) – الصوفي يتجه إلى ربه ويوثق صلاته به ويسعى للإتصال به والقرب منه:

ثم يشرح الشيخ عبد الحليم محمود كيفية الـصال بالله وكيفية ذكره وطريق رضاه عن المؤمنين ورضاهم عنه سبحانه فيقول ومن لطف الله بعباده أنهم إذا ذكروه ذكرهم {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152] ، وقد ورد في الحديث القدسي (إن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم) [البخاري في كتاب التوحيد].

وأنهم يرضون عن الله فرضي عنهم الله {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [البينة: 8].  وهم يتجهون إليه بالصلاة، فيصلي عليهم هو وملائكته {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 43]، وهو سبحانه يحبهم ويحبونه ويتقربون إليه فيتقرب إليهم، وقد ورد في الحديث القدسي (من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، إذا أقبل إلي يمشي أقبلت إليه أهرول) [صحيح مسلم كتاب التوبة]([12])

10) – ضرورة دراسة الكتب الصوفية دراسة علمية ونشرها محققة وتنقيتها مما دسها خصوم الصوفية فيها:

يدافع الشيخ عبد الحليم محمود عن كتب كبار الصوفية ويؤكد على أهمية تنقيتها من دسائس خصوم الصوفية حيث يعتقد أن الكثير من الخرافات والترهات قد حاول أعدء شيوخ التصوف الصاقها بكتبهم لتشويههم و وتكفيرهم واثارة الناس عليهم. مستندا لما نبه إليه الإمام الشعراني في مقدمة كتابه (اليواقيت والجواهر) حيث نبه إلى ما دسه لاعداء ابن عربي عليه في كتبه وما دسوه على الشعراني نفسه في حياته.

ولهذا عني الشيخ عبد الحليم محمود بنشر أمهات كتب الصوفية وترجم لأعلام الصوفية و ابرز أهدافهم السامية ونفى ما ألصقه بهم أعداؤهم من الأكاذيب. وفي الدراسات العليا الماجيستير والدكتوراه دعم تحقيق كتب كبار الصوفية ودفع الشبهات عنها.

المراجع:

 

 



[1]  علي عبد العظيم ، مشيخة الأزهر ، ج3 ، ص 684

[2]  المرجع السابق ، ج3 ، ص786

[3]  المرجع السابق ، ص 794

[4]  د عبد الحليم محمود ، الحمد لله هذه حياتي ، دار المعارف ، القاهرة ، 1975 م ، ص120

[5]  المرجع السابق ، ص 122

[6]  د. عبد الحليم محمود ، التصوف الاسلامي شخصيات ونصوص، معهد الدراسات الاسلامية، القاهرة، 1968م، ص61.

[7]  المرجع السابق ، ص65

[8]  د. عبد الحليم محمود ، الطريق إلى الله للخراز ، دار الانسان، القاهرة ، 1973 م ، ص 142

[9]  د. عبد الحليم محمود ، التعرف لمذهب اهل التصوف ، مكتبة عيسى الحلبي ، القاهرة ، 1960 م ، ص180

[10]  د عبد الحليم محمود ، التصوف الاسلامي شخصيات ونصوص، ص95

[11]  المرجع السابق ص 97

[12]  على عبد العظيم مشيخة الأزهر ، ج3 ، ص 793

 



أعلى  
 
ما يفترونه من سماع النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخضر ، وبعثه أنس يسأله أن...
ما يفترونه من سماع النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخضر ، وبعثه أنس يسأله أن...


فإنه نتيجة لبعد كثير من المسلمين عن ربهم وجهلهم بدينهم في هذا الزمن فقد كثرت...
قال الحافظ ابن القيم "رحمه الله" في فصل عقده لأحاديث مشهورة باطلة من ((نقد المنقول والمحك...
اشتراك
انسحاب