اليوم : الخميس 5 شوال 1441هـ الموافق:28 مايو 2020م
جناية تأويلات الصوفية على العقيدة (1)
تاريخ الإضافة: الأثنين 23 جمادى الآخرة 1436هـ

جناية تأويلات الصوفية على العقيدة (1)

التعرف بالصوفية وذكر نشأة التصوف

موقع الصوفية: د. محد أحمد لوح

الصوفية: جمع صوفي، واختلف الكتاب من الصوفية وغيرهم اختلافًا كثيرًا حول المادة التي نسبت إليها هذا اللفظ، والذي يمكن الاعمتاد عليه هنا باعتباره أقوى ما قيل في المسألة هو أنه منسوب إلى الصوف؛ لأن هذا القول هو الصحيح من حيث اللغة، ومن حيث المعنى؛ لأن القوم في بداياتهم الأولى كانوا يتميزون بلبس الصوف.

أما ما عدا ذلك من الأقوال فيأتيه الضعف إما من جهة اللغة، وإما من جهة المعنى.

أما الصوفي اصطلاحًا: فأقوالهم فيه وفي ما هية التصوف أكثر من أقوالهم في اشتقاقه حتى قال أحدهم: (وأقوالهم المشايخ في ماهية التصوف تزيد على ألف قول).

ونقل ابن السبكي في ترجمة عبد القاهر بن طاهر التميمي عن ابن الصلاح قوله: (ورأيت له – يعني عبد القاهر – كتابًا في معنى لفظتي (التصوف) و(الصوفي) جمع فيه من أقوال الصوفية ألف قول مرتبة على حروف المعجم).

ولنأخذ مثالين من تعريفاتهم، قديم، وحديث: قال الشيخ عبد القادر الجيلاني ت 561ه – في الفرق بين المتصوف: (وأما الفرق بين المتصوف والصوفي: فالمتصوف: المبتدئ، والصوفي: المنتهي، المتصوف الشارع في طريق الوصل، والصوفي من قطع الطريق ووصل إلى من إليه القطع والوصل).

وقال أبو الفيض المنوفي [ولد 1312ه]: (فالصوفي – أو بعبارة أخرى السالك طريق الله – هو: المقتحم ميدان التصوف، بغية الوصول إلى الحقيقة المطلقة، فلن يكن إلا رجلًا ذا ذوق ووجدان).

وباستقراء ما أمكن من تعريفات الصوفية للتصوف والصوفي، وتأمل تاريخ التصوف وواقعه وموارده، يمكننا أن نقول:

التصوف: مجموعة من العقائد المطلقة، والرسوم العملية المخترعة، تكونت من مناهج كثيرة، وتأثرت بعوامل عديدة، ثم تفرقت إلى طرق ومذاهب لا يعلم عددها إلا الله، وعلى رأس كل طريقة شيخ مقدس مطاع.

والصوفي: شخص سلك طريقة من الطرق الصوفية على يد شيخ موصوف بالوصول عند الصوفية، وسار على الخط المرسوم له، وتدرج إلى النهاية حسب تقدير الشيخ (الواصل) المربي.

أما نشأة التصوف: فقد اختلف في تاريخها الباحثون، والأقوال التي يمكن ذكرها في هذا المقام هي التي يمكن عرضها على بساط البحث والمناقشة، وهي:

  1. ما يدل على أن اسم الصوفي كان معروفًا قبل الإسلام:

ذكر السراج الطوسي ت 378ه أنه ورد في (أخبار مكة) المروي عن محمد بن إسحاق بن يسار، وعن غيره حديث يفيد (أنه قيل الإسلام قد خلت مكة في وقت من الأوقات حتى كان لا يطوف بالبيت أحد، وكان يجيئ من بلد بعيد رجل صوفي فيطوف بالبيت وينصرف – ثم أضاف الطوسي-: فإن صح ذلك فإنه يدل على أنه قبل الإسلام كان يعرف هذا الاسم)، وهذا الخبر لم أقف عليه في غير كتاب الطوسي، وإن صح نقلًا فهو كما قال.

  1. أن هذا الاسم عرف في عهد الخلفاء الراشدين:

عقد الهجويري ت 465ه في كتابه بابًا بعنوان: (أئمة التصوف من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين)، ثم ذكر تراجم الخلفاء الأربعة الراشدين، باعتبارهم جميعًا من أئمة التصوف.

وهذا الرأي مع أن كثيرًا من كتاب الصوفية قد قلدوه فيه إلا أنه لا يمثل حقيقة علمية يمكن إثباتها بالبرهان، فليس هناك أحد من الصحابة يمكن ان يطلق عليه أنه صوفي من حيث الاصطلاح – وإن كان الزهد وإيثار الحياة الآخرة موجودًا في زمانهم على نطاق واسع، واتصفوا به – وأما من حيث اللفظ فليس هناك ما يدل على أنهم نطقوا به في هذه المرحلة المبكرة.

  1. أن هذا الاسم عرف بعد الخلفاء الراشدين:

وما من شك في أن هذا القول هو الصحيح، مع وجود خلاف في تحديد تاريخ ظهوره: فذكر الطوسي أن هذا الاسم كان يعرف في وقت الحسن البصري ت 110هـ، وقال: (وقد روى عنه أنه قال: رأيت صوفيًا في الطواف فأعطيته شيئًا فلم يأخذه، وقال: معي أربعة دوانيق فيكفيني ما معي).

وهذا الأثر لو وجد مسندًا لكان نصًا في الباب غير أنه ورد – كما رأيت – بصيغة التعريض – روى -، ولا يدري من الذي رواه عن الحسن، وبينه وبين الطوسي نحو قرنين.

وذكر أيضًا عن الثوري ت 161ه أنه قال: (لولا أبو هاشم الصوفي ما عرفت دقيق الرياء).

ويرى كثير من الباحثين أن أبا هاشم هذا هو أول من أطلق عليه لفظ (الصوفي)، وترجم له أبو نعيم فقال: (وممن عرف من متقدمي البغداديين بالنسك والتحقيق بالتصوف: أبو هاشم فديم)، وقال: (ولا نحفظ من كلامه شيئًا إلا ما حكاه عنه الثوري أنه قال: - فذكر كلام الثوري السابق، ولم يرد فيه لفظ (الصوفي)، ثم قال -: بلغني أنه رأى شريك بن عبد الله القاضي ت 177ه خارجًا من دار يحيى البرمكي يطرق بين يديه، فقال: أعوذ بالله من علم يورث هذا، ويفضي إلى ما أرى).

وترجم له مرة أخرى فسماه أبو هاشم الزاهد، ولم يذكر اسمه فديم، وذكر جملة من أقواله في الرقائق -  على خلاف قوله الأول: (ولا نحفظ من كلامه شيئًا...) – بما فيها أنه رأى شريكًا يخرج من بيت البرمكي.
ولعل في إهماله ذكر اسمه ثانيصا، مع سرده بعض أقواله ما يفيد أن الرجل اشتبه على أبي نعيم، فترجم له مرتين، وهو يظنه رجلًا آخر، وعلى أيه حال وصفه أبو نعيم بالزاهد، والتحقيق بالتصوف، والصوفية كثيرًا ما يجعلون أحد اللفظين مرادفًا للآخر.

هذا من ناحية إطلاق الاسم، أما من ناحية الواقع فإن الأقوال التي نقلها عنه أبو نعيم تدل بوضوح على أن الرجل كان متصفًا بنوع من التصوف سواء سمي به أم لم يسم، ومما يؤكده أن التصوف باسمه وهيئته الأولى كان معروفًا في العهد الذي عاش فيه أبو هاشم – إن صح أنه توفي سنة 150ه – فقد قال عبد الله بن يوسف: يا أبا عبد الله عندنا قوم يقال لهم الصوفية يأكلون كثيرًا، فإذا أكلوا أخذوا في القصائد ثم يقومون فيرقصون، فقال مالك: هم مجانين؟ فقال له: لا، قال: هم صبيان؟ قال: لا، هم مشايخ عقلاء، قال مالك: ما سمعنا أن أحدًا من أهل الإسلام يفعل هكذا، قال الرجل: بل يأكلون ثم يقومون فيرقصون يلطم بعضهم رأسه، وبعضهم وجهه، فضحك مالك، وقام إلى منزله، فقال أصحاب مالك للرجل: يا هذا أدخلت – والله – مشقة على صاحبنا، لقد جالسناه نيفًا وثلاثين سنة، فما رأيناه ضحك إلا هذا اليوم).

ويرى المستشرق الفرنسي ما سنيون أن لفظ (الصوفي) (ورد لأول مرة في التاريخ في النصف الثاني، من القرن الثامن الميلادي، إذ نعت به جابر بن حيان [ت200ه] وهو صاحب كيمياء شيعي من أهل الكوفة له في الزهد مذهب خاص).

ويقول السهروردي: (وهذا الاسم لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل كان في زمن التابعين... وقيل: لم يعرف هذا الاسم إلى المائتين من الهجرة العربية).

ومهما يكن من أمر فإن هذا الاسم – وإن لم يكن متداولا على نطاق واسع – قد عرف قبل نهاية القرن الثاني الهجري نظرًا لكثرة الروايات المساندة لذلك، إلا أنه لم يكن مشهورًا إلا بعد نهاية القرن الثالث.

يقول ابن تيمية: (أما لفظ (الصوفية) فإنه لم يكن مشهورًا في القرون الثلاثة، وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك).

وفي القرن الثاني بدأت الصوفية يتميزون بأمور أخرى غير لبس الصوف، فبدأوا في إنشاء أماكن للتعبد غير المساجد، وتكاد تجمع المصادر على أن هذا القرن شهد أول ديرة صوفية أنشئت في الإسلام.

قال ابن تيمية: (طال الأمد وتفرقت الأمة وتمسك كل قوم بشعبة من الدين بزيادات زادوها فأعرضوا عن شعبة منه أخرى... وأحدثت الربط، والخوانق لأهل التعبد... وقد ذكر الإمام معمر بن زياد من أصحاب الواحدي في (أخبار الصوفية) أن أول ديرة بنيت لهم في البصرة).

وذكر أيضًا أن أحد أصحاب عبد الواحد بن زيد [ت 177ه] بني لهم دويرة هي أول ما بني في الإسلام.

ولعل السبب في تسمية مكان العبادة عند هؤلاء بالديرة يعود إلى أن أول خانقاه بنيت لهم – كما في بعض روايات الصوفية – كانت من قبل أمير نصراني رأى رجلين من الصوفية فأعجبه ما بينهما من الألفة والمعاملة، فبنى لهما ديرة في الرملة.

هذا ما يتعلق بإطلاق لفظ (الصوفي)، وبداية تميزهم عن سائر المسلمين بمؤسسات خاصة، أما الأسباب والعوامل التي أدت إلى نشأة التصوف فيمكن إجمالها في ثلاثة عوامل:

العامل الأول: عدم فهم الزهد الإسلامي على وجهه الصحيح، فإنهم لما وجدوا نصوصًا كثيرة في ذم من يؤثر الحياة الدنيا على الآخرة، ونصوصًا وردت في الثناء على من أقبل على الآخرة ولم يبالغ في التعليق بالدنيا، إلى جانب ما كان عليه السلف من التقلل من أمر الدنيا والاستهانة بها، لما وجدوا ذلك من غير نظر إلى الجانب الآخر من حياتهم من حيث كسب الحلال، والسعي في الاعتماد على الأكل من عمل اليد، والرغبة في الزواج والتكثير من النسل، وعدم مجاوزة القرآن والسنة في كل أمر تعبدي، أدى ذلك بهم إلى المبالغة وعدم التوسط في ترك الدنيا، وفي العبادات التي سرعان ما حرصوا عليها أكثر من حرصهم على طلب العلم الشرعي، وبذلك لعب الجهل بالشريعة دورًا خطيرًا في تقبل كل شيء وصف بأنه تقرب إلى الله، وإن لم يعرف له مستند من القرآن والسنة، فكان هذا مفتاحًا لباب الابتداع في الدين.

العامل الثاني: أنه لما كثرت الفتوحات الإسلامي، خاصة في القرن الثاني والثالث، اتجهت جماعات من الناس إلى الانغماس في ترف الدنيا ونعيمها، على نحو لم يكن معهودًا في العهد الأول، مما أحدث لدى البعض رد فعل عنيف دفعهم للزهد في زخرفة المدنية وزينتها التي انفتحت أبوبها على المسلمين زهدًا مفرطًا لم يوزن بميزان الشرع لدى بعضهم، فكان ذلك مما هيأ الجو لقبول التصوف.

العامل الثالث: مما لا شك فيه أن أعمال الترجمة التي أدت إلى نشأة ما عرف بالفلسفة الإسلامية كان لها دور بارز في نشأة التصوف وتطوره، خاصة في جانبه الفلسفي، حيث إن التراث الهندي نقل نزعة المبالغة في تعذيب النفس في سبيل طلب المعرفة، والوصول إلى الغاية العليا، والتراث اليوناني كان حاملًا في طياته مباحث أثرت تأثيرًا مباشرًا في إدخال وحدة الوجود إلى التصوف، وسنأتي إلى بيان هذا الأمر عند الحديث عن أصول الصوفية.

هذا: وقد تحدث ابن الجوزي عن نشأة التصوف وتطوره، وعن أعمال الصوفية التأليفية منذ البداية إلى عهد الغزالي ت 505ه حديثًا مطولًا يمكن الرجوع إليه للمزيد.

المرجع: د. محمد أحمد لوح، جناية التأويل الفاسد على العقيدة الإسلامية، دار بن عفان للنشر والتوزيع.

 



أعلى  
 
ما يفترونه من سماع النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخضر ، وبعثه أنس يسأله أن...
ما يفترونه من سماع النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخضر ، وبعثه أنس يسأله أن...


فإنه نتيجة لبعد كثير من المسلمين عن ربهم وجهلهم بدينهم في هذا الزمن فقد كثرت...
قال الحافظ ابن القيم "رحمه الله" في فصل عقده لأحاديث مشهورة باطلة من ((نقد المنقول والمحك...
اشتراك
انسحاب