اليوم : الخميس 5 شوال 1441هـ الموافق:28 مايو 2020م
وقفات مع شطحات الصوفي (طارق السعدي) الملقب بـ (شمس الزمان)
تاريخ الإضافة: الأحد 29 جمادى الآخرة 1436هـ

وقفات مع شطحات الصوفي (طارق السعدي)

الملقب بـ (شمس الزمان)

موقع الصوفية: أ/ محمد بن عبد الله المقدي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذه وقفات عاجلة مع منهج الصوفي الملفب بشمس الزمان طارق السعدي، والذي دأب في كلماته ومحاضراته على إلباس أفكاره وعقائده ثوب العافية والنقاء، في الوقت الذي يشدد النكير فيه على أهل السنة أو الحشوية كما يسميهم وكما أطلق عليهم أهل البدع من المعتزلة والمتكلمين قديمًا.

والحق أن الرجل قد أوتي حسن البيان والقدرة على الإقناع مما يسهل معه التلبيس على الناس، وهو مع ذلك متضلع بالعلوم صحيحها وسقيمها، ويحسن الترويج لأفكاره ومنهجه.

ولد طارق السعدي في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في لبنان، ويرجع نسبة كالعادة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، مارا قبلها بجده سعد الدين الجباوي والذي تنسب إليه الطريقة السعدية.

وكان والده مريدًا عند الشيخ الصوفي إبراهيم غنيم، وتزوج ابنته وأنجب منها بخمسة أطفال منهم طارق، وهو حاصل على دكتوراه في العلوم الاقتصادية، ودكتوراه في الشريعة والقانون من الأزهر بمصر حتى يدعم شأنه العلمي بالصفة الرسمية.

وللشيخ الصوفي موقع يقوم عليه أتباعه، وكعادة الصوفية مع مشايخهم يضفون عليه هالات من التقديس والإجلال وسرد الكرامات على نحو يجعله في مصاف الأنبياء.

وباستعراض كلماته ومحاضراته نجد أن طارق السعدي يركز على مقامات الأولياء وإثبات العلم اللدني لمشايخ الصوفية، بالإضافة إلى مهاجمة أهل السنة في منهجهم العقائدي والسلوكي.

ونتعرض خلال السطور القادمة إلى لمحات سريعة عن مضامين محاضراته وكلماته والتي يعج بها موقعه على الإنترنت، فمن ذلك:

  • المغالاة في النبي صلى الله عليه وسلم:

فهو يرفع النبي صلى الله عليه وسلم في منزلة تبرأ منها رسول الله ذاته، ففي مقطع مرئي بعنوان: (التنبيه على فضل دين الإسلام وأثره في الدنيا والآخرة)، يقول طارق السعدي في مقدمة الكلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (الذي تنحل به العقد وتنفرج به الكرب، وتقضي به الحوائج وتنال به الرغائب وحسن الخواتيم).

لمشاهدة المقطع:

www.ahlualhaq.net/multimedia/aqeedah/fadell-deen/

فيغالي شأنه شأن غلاة الصوفية في الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ يعتبره مفرجًا للكربات وقاضيًا للحاجات، وكأننا أمام اقتباس من شطحات البوصيري في بردته.

ويعلم أهل الحق، أن النبي صلى الله عليه وسلم قد خاطبه ربه: {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا}[1] ، وقال عز وجل: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ}[2]،، بل يقول هو صلى الله عليه وسلم عن نفسه في حديث ابن عمر: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا: عبد الله ورسوله)[3].

  • زعمه بأن رؤية الله في الجنة لمن عبده محبة لا طمعًا في جنته:

فيقول في مقطع بعنوان (فضل دين الإسلام وأثره في الدنيا والآخرة) مقررا هذه الحقيقة: (فمن كانت غايته الجنة ونعيم الجنة سيتمتع وينال من ثمار الجنة، ومن يطلب الله فسيرفع الغطاء وتتجلى الزيادة وتظهر الحقائق).

لمشاهدة المقطع:

www.ahlualhaq.net/multimedia/aqeedah/fadell-deen/

ويتضح بهذا تأثره بمقولات الطبقة الثانية أو رواد المرحلة الانتقالية بين الزهد المشروع وبين التصوف، والذي ظهروا في القرن الثاني الهجري واستحدثوا كلمة العشق الإلهي، كرابعة العدوية: (ويرددون أحاديث باطلة في ذلك مثل: (إذا كان الغالب على عبدي الاشتغال بي جعلت نعيمه ولذته في ذكرى عشقني وعشقته) وبدأ الكلام حول العبادة لا طمعًا في الجنة ولا خوف من النار، وإنما قصد الحب الإلهي)[4].

ويرد على هذه المزاعم أولًا بقول الله تعالى عن صفوة عباده في معرض الحديث عن نبي الله زكريا: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}[5].

وثانيًا: ليس بين الحب والخوف والرجاء تعارض، لأن الذي يخافه تعالى ويرجوه ليست محبة الله منزوعة منه، بل لعله أكثر تحقيقًا لها من كثيرين يزعمون محبته.

فالأصل أن يعبد الله تعالى محبة وخوفًا ورجاء، كما قال شيخ الإسلام: (قال بعضهم: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجيء، ومن عبده بالحب والرجاء والخوف فهو مؤمن موحد)[6].

والذي دلت عليه النصوص أنه أهل الجنة كلهم يرون الله تعالى في دار النعيم، فقد جعل حجب الرؤية عقوبة للكافرين: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ }[7] ، فلم يقع الاستثناء في الرؤية إلا للكافرين، وأما سائر المؤمنين فيرون الله تعالى كما دلت النصوص ومنها قول الله تعالى: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا)[8]،، ومعلوم أن هذا من تشبيه الرؤية بالرؤية وليس تشبيه المرئي بالمرئي.

  • ادعاؤه العصمة للأولياء:

ويظهر ذلك من خلال كلماته في مقطع بعنوان: (الفرق بين المعجزة والكرامة)، حيث يقول: (من الأولياء من يكون معصومًا كعصمة الأنبياء).

لمشاهدة المقطع:

www.ahlualhaq.net/multimedia/aqeedah/tamyeez-mu3jiza-karama/

وهذا باطل من عدة وجوه:

أولًا: أنه لا خلاف على أفضلية النبي على الولي، والعلماء قد اختلفوا في عصمة الأنبياء من الصغائر، والجمهور على عصمتهم من الكبائر دون الصغائر، يقول شيخ الإسلام: (القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف)[9].

فإدعاء العصمة للأولياء يرفعهم إلى منازل الأنبياء أو أعلى وهو غير خفي البطلان.

ثانيًا: أنه لا خلاف على أفضلية الصحابة عمن أتى بعدهم من القرون بنص الحديث: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)[10].

وهم أولياء الله بل صفوة أوليائه وخير الناس بعد أنبيائه ورسله، ومع ذلك لم يسلم بعضهم من الوقوع في الكبائر.

ثالثًا: المخالفة الصريحة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون)[11].

وإنما غالى أهل البدع من الروافض الإمامية وغلاة الصوفية في أئمتهم ومشايخهم وأضفوا العصمة عليهم، لاغتيال العقول وعدم الاعتراض والتسليم المطلق من قبل الأتباع، ومن ثم لا ينكشف زيغهم طالما أنهم دائمًا على صواب وحق ولاتحتمل أفعالهم الخطأ والمخالفة.

وقد استدل طارق السعدي على عصمتهم بأن موسى عليه السلام عندما شاهد الأمور العظيمة للخضر والذي هو ولي من أولياء الله – وهذا بخلاف الراجح – استعظمها موسى لأنه يعلم بعصمة الأولياء ومن ثم استعظم أن يأتي الولي بهذه الأمور التي يراها هي في أصلها ذنوب ومخالفات.

ولقد أبعد الرجل النجعة في ذلك، فقتل طفل صغير هو شيء مستقبح بالفطرة، ولو شاهد عبد صفوة أنبياء الله يفعلونها لأصابته الدهشة واستعظم الأمر وطالب بالبيان، فاستدلاله بقصة موسى والخضر هو استدلال متكلف لا يرقى للصحة بأي وجه من الوجوه.

  • تضمن كلامه القول بالحلول والاتحاد:

وهو ما عبر عنه بالفناء في الله، من خلال كلماته التي صنفها مريدوه وأتباعه على الموقع تحت مسمى الكلمات النورانية، فقال في إحداها في معرض الحديث عن آداب المريد: (الفناء في الشيخ: هو تحقق معرفته، الذي هو مقدمة الفناء في الله تعالى، وإنما يتحقق الفناء به من خلال اتباعه: بحيث يتخلق المريد بأخلاقه، ويتحلى بأحواله، ويعمل بتوجيهاته، ويلتزم إرشاداته، على وفق الآداب المقررة في الباب).

لمشاهدة المقال:

www.tarek-alsaadi.info/words/

وهو بذلك يسير على خطى الحلاج وابن عربي وابن الفارض وغيرهم من غلاة المتصوفة، الذين قالوا بأن العبد يتحد بالذات الإلهية، وهو غاية مراد الصوفي في التزكية.

(والفناء وهو ما يسمونه (الفناء عن وجود السوي) أي ليس موجدًا إلا الله سبحانه وكل ما عداه ليس له وجود حقيقي، وهذه هي وحدة الوجود بعينها.

وقد تعني هذه الكلمة (الفناء) أن يغيب عن الناس والخلق ولا يشهد سوى الله ويقع في (الغيبوبة) ويغيب حتى عن العبادة، وقد يتوهم أنه صار هو والإله شيئًا واحدًا، ويظن أنه تضمحل ذاته في ذاته وصفاته في صفاته).

وقد تعني هذه الكلمة ما يسمونه (الفناء عن إرادة السوي) أي لا يحب إلا الله ولا يوالي إلا فيه ولا يبغض إلا فيه، فهذا صحيح وإن كان لا يسلم لهم بالتعبير بـ (الفناء) لأن يتضمن غموضًا واشتباهًا، وأما الفناء الذي يسمونه فناء النفس عن التشاغل بما سوى الله فلا يسلم لهم أيضًا، بل أمرنا الله بالتشاغل بالمخلوقات ورؤيتها والإقبال عليها)[12].

  • ادعاؤه أن للشريعة ظاهرًا وهو علم العوام وباطنًا هو علم الخواص:

فيرى طارق السعدي كشأن غيره من غلاة الصوفية أن للشريعة ظاهرًا وباطنًا، فأما علم الظاهر فهو علم العوام، الذين يستقونه من نصوص الكتاب والسنة، وأما علم الباطن فهو علم الخواص ويسمونه العلم اللدني، وهو أن الولي يأخذ مباشرة عن الله دون واسطة في التبليغ.

ففي مقطع بعنوان (التصوف والكتمان) عرف التصوف بتعريفات من بينها الإحسان، وانطلق منها لحديث جبريل، عندما عرف النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان وأركانه والإسلام وأركانه، وعرف الإحسان بقوله (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم يكن تراه فإنه يراك) دون بيان أركان له، فذهب الشيخ الصوفي أن في هذه إشارة إلى أن أركان علم التصوف لا يعلمها إلا الخاصة مشاركين الشيعة في هذا المعتقد.

لمشاهدة المقطع:

www.ahlualhaq.net/multimedia/tasawwof/ilmattaswwof_01/

ويقول في مقطع بعنوان: (الأتباع والمتبعون): (ينبغي أن تعلم أن الشريعة لا تفهم فقط بما وضع من أصول فقه) إذا فهذا غير كاف في فهم الشريعة عند البشري، ويضيف في نفس المقطع: (تستطيع أن تستنبط حكمًا أو تفهم قضية ليس أن تفهم فقط كيف تحلل رموز الكلام، بل القضية أن تعرف كيف تتوصل وتتذوق المعنى المراد بهذا الخطاب وبهذا النص وذلك لا يكون إلا بجمع أصول علم ظاهر الشريعة مع الآداب والآداب لا يتوصل إليها إلا عن طريق مؤدب، وأقول عن طريق مؤدب اتصل سنده بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بعبارة أخرى بالله تبارك وتعالى فإن النبي أدبه ربه ثم أدب خاصة أمته بخاصة التربية التي تحقق هذه العلوم وتيسرها لهم).

لمشاهدة المقطع:

www.ahlualhaq.net/multimedia/various/almuttaba3oon/

فهو بذلك يقرر حقيقة علم الخواص الذي يتأتى بالوصول عن طريق التزكية والسلوك وليس عن طريق النظر في النصوص.

وفي هذا يقول (ابن عجيبة) وهو من كبار مشايخ الصوفية (أما واضع هذا العلم – يعني التصوف – فهو النبي علمه الله بالوحي والإلهام، فنزل جبريل عليه السلام أولًا بالشريعة فلما تقررت نزل ثانيًا بالحقيقة، فخص بها بعضًا دون بعض، وأول من تكلم فيه وأظهره سيدنا علي كرم الله وجهه، وأخذه عنه الحسين البصري)[13].

ويقول الدكتور جميل غازي: (لقد ادعى الصوفية استنادًا إلى أوهامهم في حقيقة الخضر عليه السلام بأن للشريعة ظاهرًا وباطنًا، وأن باطنها يخالف ظاهرها، وأن موسى عليه السلام كان من أهل الظاهر، وأن الخضر من أهل الباطن، ثم ذهبوا بعد ذلك إلى القول بأنه ليس من حق أهل الظاهر أن يعترضوا على أهل الباطن تمامًا كما حدث بالنسبة لموسى إذ لم يكن من حقه أن يعترض على الخضر)[14].

والذي يحمل الصوفية على هذا الزعم أنهم لا يجدون مرتكزًا وسندًا لأباطيلهم في الكتاب والسنة، فما أيسر أن يدعي هؤلاء أن هناك علمًا خاصًا لا يدركه إلا الخواص، فهذه الركيزة تسهل لهم لي أعناص النصوص، والمروق من كل حجة تقام عليهم بالنصوص الشرعية.

وبالإضافة إلى أن هذه المزاعم تجعل الدين ألعوبة في يد كل من يتجاهل النصوص ويعتمد على العلم اللدني الذي لخصه أحدهم بقوله: (حدثني قلبي عن ربي)، وبجانب أن فيه أتهامًا للنبي صلى الله عليه وسلم بعد الإيفاء في البلاغ ليتصادم مع قول الله تعالى: {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، بالإضافة إلى ما سبق فإن علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي يتمسحون به، لم يكن لديه علمًا خاصًا تركه له رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من؟ علي بن أبي طالب من خاصة الخواص.

وعندما سئل رضي الله عنه: (هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء؟ فقال: ما خصنا بشيء لم يعم به الناس إلا ما في قراب سيفي هذا فأخرج صحيفة فيها: (لعن الله من ذبح لغير الله ولعن الله من سرق منار الأرض وفي رواية من غير منار الأرض ولعن الله من لعن والده ولعن الله من آوى محدثًا)[15].

إذا فلا مجال للقول بأنه هناك علمًا للعوام وعلمًا للخواص، نعم هناك فروقات فردية في الفهم والاجتهاد وأنها تختلف في محل الاستنباط والقياس، وتتجلى خلالها قوة الفهم لكنها تؤتي بالتعلم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، ويتوصل بها إلى معرفة الحكم الشرعي في المسائل التي لا نص لها قطعي الدلالة.

وهم – أي الصوفية – بذلك المعتقد يفقدون الشريعة أهم ميزها، وهو سهولة الاجتماع بالتحاكم إلى نصوص شرعية واضحة، وبناء على معتقدهم لن يكون هناك شيء ثابت تفض عليه  التنازعات، طالما أن هناك علمًا للخواص وعلمًا للعوام وهو الكتاب والسنة.

سادسًا: زعمه أن النبي صلى الله عليه وسلم ورث أسرارًا في الشريعة للبعض دون سائر الأمة: فقال في إحدى كلماته (إن مشيخة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تتجلى بخلفائه الذي حملوا السر عنه وعملوا بسنته، فمن أعرض عنهم ظل أبدًا عبد الرسوم، من الحقائق والسر المصون محروم).

لمشاهدة المقال:

www.tarek-alsaadi.info/words/

فالرجل يدعي أن النبي صلى الله عليه وسلم ورث أسرارًا في الشريعة بغير برهان ولا دليل، بل الدليل على الأمر بتبليغ الشريعة كما أنزلها الله تعالى، وغفل السعدي أو تغافل عن قول الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } [المائدة: 67].

فقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يبلغ ما أنزل إليه ولم يستثن الله تعالى شيئًا، فمن أين أتى بهذه الفرية العظيمة.

ثم تراه من جهة أخرى يرى أن الإلتزام بالنص القرآني أو النبوي حرمان من التعرض لحقائق الأمور وهو ما أفاده بقوله: (فمن أعرض عنهم ظل أبدًا عبد الرسوم، من الحقائق والسر المصون محروم) يقصد بالرسوم كما يظهر النصوص القرآنية والنبوية، وكأن الوقوف عندهما ضلال وغي، بينما انتظار ما تسفر عنه أفهام المشايخ هو الحق الأبلج، وجعل الأصل في الشريعة النظر في استنباطات المشايخ والأولياء وليس النظر في النصوص الشرعية.

والرجل بذلك يحرم من فهم الشريعة عموم المسلمين إلا خاصة الخواص من المشايخ الذين فهموا حقيقة الدين ومراد الله تبارك وتعالى، فجعل الدين عبارة عن أمور غامضة لا تفك رموزها إلا عن طريق الأولياء، وهو ما ينافي غاية البلاغ والبيان.

سابعًا: اعمتاده تأويل الأسماء والصفات وزعمه أنه المنهج الحق: يقول في إحدى كلماته (الكلام والتأويل: ليس يخالف التنزيل، ولا له قدم في التعطيل، بل هو بيان المراد بخطاب الجليل).

لمشاهدة المقال:

www.tarek-alsaadi.info/words/

وقال في مقطع بعنوان (مخالفة الحوادث جزء 2): (الذي يعتمد على الألفاظ الواردة في خطاب الله عز وجل كاليد والعين وغيرها فهو معتمد على سراب لأنها أقل ما يقال فيها أنها تحتمل المعنى الذي يقول كما تحتمل سواه).

لمشاهدة المقطع:

www.ahlualhaq.net/multimedia/aqeedah/mukhalafat-al7awadith_02/

فالرجل كما علم أشعري الاعتقاد، ويرى في تأويل الصفات وصرفها عن معانيها الظاهرة في اللغة تنزيها لله تبارك وتعالى عن مشابهة الخلق، وبرر مسلكه بأن المعنى الذي يفهم من ظاهر النص وفق لغة العرب يحتمل أكثر من معنى في تلك اللغة وهو ما يفهم من قوله: (أقل ما يقال فيها أنها تحتمل المعنى الذي يقول كما تحتمل سواه)، فلماذا يذهب المخالفون إلى اعتماد معنى معين دون معان أخرى محتملة؟ فلا مجال مثلًا لإثبات اليد لله تبارك وتعالى حيث أن من إحدى معانيها في لغة العرب: (النعمة) فلماذا تثبتون يدًا حقيقية لله؟

ويغفل السعدي عن أن لكل لفظ معنى متبادر إلى الذهن، فعندنا نقول يد الرجل فالمعنى الذي يتبادر إلى الذهن هو اليد الجارحة، فلا يصرف معناه إلى النعمة أو القدرة مثلًا إلا بموجب.

فاليد مثلًا ثابتة لله تبارك وتعالى بنص القرآن، كقوله تبارك وتعالى: {قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ}[16]،، وقوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}[17].

فإن صرف معنى اليد إلى القدرة أو النعمة فما الموجب؟ فإن فعل فرارا من التشبيه نقول بأننا حددنا المعنى وفق القاعدة الجامعة في باب الأسماء والصفات وهي كقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}[18].

فإن قال لتعدد الصيغ الواردة مرة تأتي بلفظ يد مفردة، ومرة مثنى (يداه) ومرة بالجمع (أيدينا)، وهو ما يوجب إحالة الصفة إلى معنى آخر، قلنا ليس هذا بموجب وليس ثمة تعارض وتناقض، حيث دلت اللغة على ما نقول، فالعرب قد تعبر عن الجمع بالواحد كقوله تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ }[19]، ، وقد تستخدم صيغة الجمع للتعبير عن الأثنين كقوله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا}[20].

ولو أننا أولنا اليد بالنعمة فعلى هذا الأساس يكون قول الله تعالى عن خلق آدم: {قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ}[21]، ومعناه: خلقت بنعمتي أو قدرتي.

ويرد شيخ الإسلام هذا التأويل بقوله: (فقوله: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} لا يجوز أن يراد به القدرة؛ لأن القدرة صفة واحدة ولا يجوز أن يعبر بالأثنين عن الواحد، ولا يجوز أن يراد به النعمة لأن نعم الله لا تحصى؛ فلا يجوز أن يعبر عن النعم التي لا تحصى بصيغة التثنية)[22].

ومن جهة أخرى لو فسرت بالنعمة، فالنعمة مخلوقة، وإن فسرت بالقدرة فيكون المعنى: خلقت بقدرتي فما الذي سيميز خلق آدم عن غيره حينئذ وتؤمر إثره ملائكة الرحمن بالسجود لآدم؟!

(وقد بين شيخ الإسلام – رحمه الله تعالى – السبب في عدم جواز استعمال الواحد في الأثنين، والأثنين في الواحد فمن هذه الألفاظ عدد، وهي نصوص في معناها، ولا يتجوز بها، فلا يجوز أن يقال: عندي رجل، ويعني رجلين، وعندي رجلان ويعني به الجنس لأن اسم الواحد يدل على الجنس...، والجنس فيه شياع، وكذلك اسم الجمع فيه معنى الجنس، والجنس يحصل بحصول الواحد)[23].

وكذا يقال في العين، والتي وردت الصفة فيه عن الله عز وجل في كتابه بالمفرد {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}[24]،وبالجمع {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا }[25]، ، فكما يقول الدكتور سفر الحوالي: (فليس بينهما شائبة تناقض لكل ذي عقل، حتى أن العوام إذا طلبت من أحدهم شيئًا ما يقول تارة: من عيني، أو: على عيني، وأخرى: من عيوني)[26].

ثامنًا: شدد النكير على أهل السنة في إنكارهم على أي فعل يتعبد به لم يرد في سنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية أو الفعلية أو التقريرية، معتبرًا ذلك تعطيلًا لما تدل عليه السنة ويعرف بالاستنباط، وأنه هبوط بمستوى الإدلال من الكتاب والسنة، ويتجلى ذلك في مقطع بعنوان (الأتباع والمتبعون).

لمشاهدة المقطع:

www.ahlualhaq.net/multimedia/various/almuttaba3oon/

وهو بذلك يقلب الحق باطلًا ويلبس الباطل ثوب الحق، فأيهما أصح مسلكًا، رجل لا يتعبد إلا بما نص عليه صريح كتاب الله وسنة رسوله؟ أم رجل آخر يعبد الله بالاستنباط وتوجيه دلالات النصوص؟

إن الأصل في العادات والمعاملات والمطاعم والمشارب ونحوه الحل والجواز، أما في دائرة العبادات فالأصل فيها التوقيف، فهي موقوفة على إجازة الشرع، ولا يصح بأي حال من الأحوال التعبد إلى الله تعالى بشيء لم يرد في الكتاب والسنة.

وقد آثار السعدي هذه النقطة في معرض الحديث عن الأذكار والأوراد البدعية، وبين أن الأصل الجامع هو ذكر الله والذي ورد الحث عليه إجمالًا، فإن جاوزت النص فلا حرج.

ويكفي في الرد على هذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد)[27].

وإذا جاز لنا ما نقول فما الذي يمنع أن نزيد في صيام رمضان أيام آخر طالما كان الصيام والحث عليه هو الأصل الجامع، وما الذي يمنع الطواف والسعي بين الصفا والمروة مائة شوط، طالما أن الأصل الجامع هو الحث عليهما.

وليته فعل بدعته وروج لها وسكت، لكنه ينكر على من يتبعون طريق السلامة ويقفون عند قول الله وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتجاوزونه.

تاسعًا: زعمه أن التفريط في حق الشيخ محبط للأعمال:

فيقول في إحدى كلماته النورانية: (الإحسان في معاملة الشيخ رأس الإحسان في عبادة الله تعالى، لذلك عظم خطر التفريط فيه، حتى أن الله تعالى توعد المسيئين بإحباط العمل ولو من حيث لا يشعرون (كما في سورة الحجرات).

لمشاهدة المقال:

www.tarek-alsaadi.info/words/

ويقصد بذلك قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ }[28].

فلئن كان الله تعالى قد أخبر عباده بأن أعمالهم معرضة للحبوط لدى الإساءة الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم، فمن أين لنا بذلك مع غير من الناس؟ وما هو دليله الذي استند عليه في تقرير ذلك؟ ألا يعد هذا افتراء وتقولًا على الله تعالى؟

وإذا أجاز للمشايخ ما يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم على أساس أنهم أهل العلم وميراث النبوة، فهلا أجاز لهم خصوصيات الزواج فوق أربع وعدم توريثه في ماله بعد مماته ونحو ذلك مما لا يكون إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وإذا كان ذلك لم يثبت لمن هو دونه صلى الله عليه وسلم في القدر والمقام من الصحابة الأبراء فأنى يكون لمن كان أقل منهم قدرًا ومقامًا كما ثبت في السنة.

عاشرًا: ترسيخ مبدأ التبعية المطلقة للمشايخ والغلو فيهم:

وهو ما يطفح به كلامه في مقاطع الفيديو وكلماته المسماه بالكلمات النورانية، فيقول على سبيل المثال: (لا يحيا المريد حتى يموت بين يدي الشيخ؛ قال الله تعالى: {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}[29]،، وهذا للمريدين على كافة مراتبهم، كل بحسب مقصده).

لمشاهدة المقال:

www.tarek-alsaadi.info/words/

ومرة أخرى يتقول على الله ويقول في كتاب الله تعالى بغير برهان آتاه، وهو بهذا المسلك يروج لطاعة الأولياء والمشايخ طاعة مطلقة لا تكون إلا لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

ثم تراه يشترط في صحبة الشيخ ألا يرى فيه المريد سوى كل كمال وجمال، وغض الطرف عن مساوئهم واعتقاد عدم انفكاك الحكمة عن أفعالهم، فيقول: (شرط صحبة مشايخ الصوفية: أن يرى فيهم الخلافة الإلهية، فلا تخرج تصرفاتهم عن الحكمة المرعية، ولو شابهت في الظاهر التصرفات المزاجية).

ويمعن في إضفاء القداسة على شخص الشيخ الصوفي وضرورة اليقين بسلامة أقواله وأفعاله والتسليم له كشرط لاستمرار المريد في طريق التزكية والوصول فيقول: (السالك إن شك بمعرفة مرشده وحكمته، حرم بركاته، وحجب عن خيراته).

وهذا من ثوابت الفكر الصوفي الذي يغتال العقول ويعتمد في ترويج أباطيله على السمع والطاعة العمياء دون مراجعة، فلو سنحت الفرصة لأي إنسان يرى ويسمع أعاجيبهم بأن يفكر ويجادل ويناقش لتبدى له زيف منهجهم، ومن ثم أرسوا قواعد الطاعة المطلقة العمياء.

المراجع:

مرفق: مطوية وقفات مع شطحات الصوفي (طارق السعدي)  الملقب بـ (شمس الزمان(

 

 



[1] [الجن: 21]

[2] [فصلت: 6]

[3] رواه البخاري

[4] الصوفية نشأتها وتطورها، محمد العبدة وطارق عبد الحميد، ص 22.

[5] [الأنبياء: 90]

[6] مجموع الفتاوى (5/62).

[7] [المطففين: 15]

[8] متفق عليه.

[9] مجموع الفتاوى (4/319)

[10] السلسلة الصحيحة (2/312)

[11] صحيح الترغيب والترهيب (3/121)

[12] الصوفية... نشأتها وتطورها (ص 20) بتصرف.

[13] الصوفية والوجه الآخر، محمد بن جميل زينو، ص 35.

[14] المصدر السابق، ص 34.

[15] رواه مسلم

[16] [ص: 75]

[17] [المائدة: 64]

[18] [الشورى: 11]

[19] [العصر: 2]

[20] [التحريم: 4]

[21] [ص: 75]

[22] مجموع الفتاوى (6/365).

[23] التأويل خطورته وآثاره، عمر سليمان الأشقر، ص 18.

[24] [طه: 39]

[25] [القمر: 14]

[26] منهج الأشاعرة في العقيدة، ص 89.

[27] متفق عليه.

[28] [الحجرات: 2]

[29] [العنكبوت: 5]

 



العنوان: مرفق: مطوية وقفات مع شطحات الصوفي (طارق السعدي) الملقب بـ (شمس الزمان( العداد: 31 الحجم: 6.09MB
أعلى  
 
ما يفترونه من سماع النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخضر ، وبعثه أنس يسأله أن...
ما يفترونه من سماع النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخضر ، وبعثه أنس يسأله أن...


فإنه نتيجة لبعد كثير من المسلمين عن ربهم وجهلهم بدينهم في هذا الزمن فقد كثرت...
قال الحافظ ابن القيم "رحمه الله" في فصل عقده لأحاديث مشهورة باطلة من ((نقد المنقول والمحك...
اشتراك
انسحاب