اليوم : الخميس 5 شوال 1441هـ الموافق:28 مايو 2020م
جناية تأويلات الصوفية على العقيدة (2)الأصول التي بنى عليها الصوفية تأويلاتهم: الاعتماد على الكشف وما في معناه
تاريخ الإضافة: السبت 6 رجب 1436هـ

جناية تأويلات الصوفية على العقيدة (2)

الأصول التي بنى عليها الصوفية تأويلاتهم: الاعتماد على الكشف وما في معناه

موقع الصوفية: د. محد أحمد لوح

يقال: كشف الشيء، وكشف عن الشيء كشفًا: رفع عنه ما يواريه ويغطيه.

وقالوا: (هو في اللغة: رفع الحجاب، وفي الاصطلاح: هو الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية، والأمور الحقيقية وجودًا أو شهودًا).

والحجاب عند أهل التصوف: (انطباع الصور الكونية في القلب المانعة لقبول تجلي الحق)، وقالوا: (المكاشفات تدل على حضور السر في أفق العيان).

وجاء بمعنى الكشف – أو قريب منه – ألفاظ كثيرة يتداولها الصوفية، ومنها:

الخواطر والواردات: قال الهجويري: (الوارد: ورود المعاني الروحانية على القلب)، وقال: (الخاطر: ما يرد على القلب ويفر منه بورود شيء آخر... وأهل الواردات يلزمهم اتباع أول وارد؛ لأنه وارد من الله تعالى).

وقالو: (والخواطر أربعة: الحقاني، والمالكي... والشيطاني.... والنفساني).

وقال آخر: (والواردات ما يرد على القلب من خاطر إلهي أو ملكي، أو شيطاني فكل وارد بقى الإنسان بعد انفصاله عنه نشيطًا مسرورًا نشوان فإنه وارد ملكي، وكل وارد يبقى صاحبه بعد انفصاله خبيث النفس كسلان ثقيل الأعضاء والروح يجنح إلى فتور فهو وارد شيطاني، وكل وارد أعقب في القلب معرفة بالله ومحبة له، وإنابة إليه، وطمأنينة بذكره، وسكونًا إليه فهو وارد إلهي حقًا).

وقريب من هذا القول محمد لطفي: (الخواطر: خطاب يرد على الضمائر وقد يكون من الملك فهو إلهام، وقد يكون من النفس فهو هاجس، وقد يكون من الشيطان فهو وسواس، ويكون من الله تعالى فيكون خاطر حق).

المشاهدة: نقل ابن خلدون عن بعض الصوفية أن الكشف على مراتب: فمبدؤها المحاضرة، وهي آخر مراتب الحجاب، وأول مراتب الكشف، ثم بعدها المكاشفة ثم بعدها المشاهدة، ثم ذكر قول الجنيد: (صاحب المحاضرة مربوط بإنينه، وصاحب المكاشفة مربوط بدينه وعلمه، وصاحب المشاهدة تمحوه معرفته).

ومن مرادفات هذه الألفاظ أيضًا (المعاينة) و(العلم اللدني) و(الذوق) و(الاطلاع) ونحوها.

وينقسم الكشف عند ابن عربي إىل درجات خمس: كشف عقلي: وبه تدرك المعقولات، وكشف قلبي: وتدرك به أنوار مختلفة، وكشف سري: وتدرك به أسرار المخلوقات، وحكمة خلقها، وكشف روحي: وبه يرتفع حجاب الزمان والمكان، ويدرك به العوالم غير المتناهية، ويطلع به على أخبار الماضي والمستقبل، وكشف خفي: وهي أن ينكشف الله تعالى بالصفات: إما بالإجلال أو الجمال على حسب المقامات والحالات، ويسمى كشفًا صفاتيًا، فإن انكشف بصفة العالمية تظهر العلوم اللدنية، وإن انكشف بالصفة السمعية يظهر استماع الكلام والخطاب، وإن انكشف بصفة البصرية تظهر الرؤية والمشاهدة، وإن انكشف بصفة الجلال يظهر فناء الفناء، وإن انكشف بصفة الجمال يظهر شوق شهود الجمال، وإن انكشف بصفة القيومية يظهر بقاء البقاء، وإن انكشف بصفة الواحدية تظهر الوحدة.

وجملة القول: أن الكشف والخواطر والواردات وما في معناها عند الصوفية كلها تدور حول الاطلاع على الغيب، ومن هنا أدخلوا في علوم الكشف:

1- أسرار الملكوت وحقائق الوجود، قال ابن خلدون: (إن اسم التصوف صار مختصًا بعلوم المكاشفة، والبحث بطريقة الكشف عن أسرار الملكوت، والإبانة عن حقائق الوجود، والوقوف على حكمته وأسراره).

2- معرفة الحلال والحرام من غير تعلم: عقد الغزالي في سفره الكبير عنوانًا يقول: (بيان شواهد الشرع على صحة طريق أهل التصوف في اكتساب المعرفة، لا من التعلم ولا من الطريق المعتاد)، ذكر فيه أشياء كثيرة تدور حول إمكانية التعويل على ما يرد إلى القلب دون إعطاء الطرق المعهودة في التعلم أي اهتمام.

وأكدوا ذلك بأن القلب كلما كان فارغًا من العلوم الكسبية المعتادة كان أهلًا لنزول الواردات فقال أحد شيوخهم: (دهليز نزول العلوم الإلهية في القلب ذهاب جميع النقول منه، فإذا صار فارغًا من جميع النقول الكونية فقد تهيأ لنزول الواردات والعلوم، والمواهب؛ لأنها لا تنزل إلا في الأوعية الفارغة...).

وفي عبارة واضحة وصريحة بين أحد أئمتهم ماهية تلك الواردات والخواطر فقال: (وما يتلقى الأنبياء والأولياء وغيرهم من المغيبات فإنها ترد عليهم في أسطر مكتوبة، وقد ترد بسماع صوت قد يكون لذيذًا، وقد يكون هائلًا، وقد يشاهدون صور الكائن، وقد يرون صورًا حسنة إنسانية تخاطبهم في غاية الحسن فتناجيهم بالغيب).

3- من موضوعات الكشف عندهم عقيدة وحدة الوجود، فإنها – عندهم – لا تنال إلا بالكشف: فبعد أن قرر ابن عربي وحدة الوجود، وضرب لها مثلًا بتحلي صورة الإنسان في المرآة قال: (وإذا ذقت ذا ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق، فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن ترقي أعلى من هذا الدرج)، وقال شارحه: (إشارة إلى أن هذا المعني لا يدرك إلا بالذوق والكشف، والحال لا بمجرد العلم، وهي الغاية في الكشف، ليس فوقها أعلى منها).

ويدخل في هذا الإطار دعوي ابن عربي انه تلقي كتابه (فصوص الحكم) من النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول: (أما بعد: فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مبشرة أديتها في العشر الآخر من المحرم سنة 627 بمحروسة دمشق، وبيده كتاب، فقال لي: هذا كتاب (فصوص الحكم) خذه واخرج به إلى الناس ينتفعون به، فقلت السمع والطاعة لله ورسوله وأولي الأمر منا) ومثله زعم عبد الكريم الجيلي ت 832ه أن الله أمره بتأليف كتابه (الإنسان الكامل) حيث قال: (وكنت قد أسست الكتاب على الكشف الصريح، وأيدت مسائله بالخير الصحيح، وسميه (الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل) فأمرني الحق الآن بإبرازه بين تصريحه، وألغازه، ووعدني بعموم الانتفاع، فقلت: طوعًا للأمر المطاع، وابتدأت في تأليفه متكلًا على الحق في تعريفه).

وإنما قلت هذا الكلام لأن الكتابين مملوءان بتقرير عقيدة وحدة الوجود، فإذا كانا قد تلقياه من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم – هيهات – كان معناه أن عقيدة وحدة الوجود متلقاة من الوحي المسمى بالكشف.

والحق الذي لا شك فيه أن الشارع الحكيم لا يأمر بما يهدم دينه، فإذا كان أحد قد أمرهما بتأليف الكتابين فلابد أن يكون إبليس أو أحد جنوده.

وهذا التقرير من عندهم يوضح لك أهمية الكشف عند هؤلاء، لأن وحدة الوجود تعد أشرف العلوم عند القائلين بها، فإذا كان طريق تحصيلها الكشف علم علو منزلته عندهم، خاصة إذا علم أن ابن عربي – أحد أصرح من حقق هذه العقدية -: (وإما بأن يكشف له عن عينه الثابته، وانتقالات الأحوال عليها إلى ما لا يتناهى وهو أعلى؛ فإنه يكون في علمه بنفسه بمنزلة علم الله به؛ لأن الأخذ من معدن واحد... فبهذا القدر نقول:  إن العناية الإلهية سبقت لهذا العبد بهذه المساواة في إفادة العلم).

غير أنه لا يستغرب هذا ممن يعتقد أصلًا أن الوجود واحد.

ومما يؤكد اهتمام الصوفية بالكشف وأهميته عندهم أن أكثر مؤلفاتهم تحمل أسماء من قبيل: (الكشف) و(الفتوحات) و(النفحات) و(الفيوضات) و(البوارق) و(التحليات) و(المخاطبات) و(علم القلوب) و(مكاشفة القلوب) ونحو ذلك، ولا ريب أن هذا الاهتمام الزائد بالكشف والفتح قد جعل منه هدفًا مستقلًا يطلب لذاته، فركز أهل التصوف جهودهم على التنظير له، وبيان مزاياه، واخترعوا العديد من طرق الوصول إلى الكشف، فكان من أقوالهم في تقسيم المعارف قولهم إن هناك طريقين للمعرفة: (الأولى: طريقة الاستدلال، والثانية: طريقة المشاهدة، والأولى درجة العلماء الراسخين، والثانية درجة الصديقين) ووصفوا الكشف بأنه أصح العلوم، وأكملها، واتفق الصوفية الذين تكلموا في نظرية المعرفة على أن مراتبها تأتي على هذا الترتيب:

  • علم اليقين، وهو: ما يتوصل إليه عن طريق النظر، والاستدلال.
  • عين اليقين، وهو ما يتوصل إليه عن طريق المشاهدة، والكشف.
  • حق اليقين، وهو: فناء البعد في الحق.

أما الطريق إلى حصول الكشف فقد حصروها في ممارسة الرياضة الصوفية الشاقة، فذكروا أن طريقه تقديم المجاهدة، ومحو الصفات المذمومة، وقطع العلائق كلها والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى، ومهما حصل ذلك كان الله هو المتولي لقلب عبده، والمتكفل له بتنويره بأنوار العلم، وإذا تولى الله أمر القلب فاضت عليه الرحمة وأشرق النور في القلب، وانشرح الصدر، وانكشف له سر الملكوت وانقشع عن وجه القلب حجاب العزة بلطف الرحمة، وتلألأت فيه حقائق الأمور الإلهية. ويقول الغزالي: (فالأنبياء والأولياء انكشف لهم الأمر، وفاض على صدورهم النور، لا بالتعلم والدراسة والكتابة للكتب، بل بالزهد في الدنيا، والتبري من علائقها، وتفريغ القلب من شواغلها والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى... وزعموا أن الطريق في ذلك أولًا بانقطاع علائق الدنيا بالكلية، وتفريغ القلب منها، وبقطع الهمة عن الأهل، والمال والولد والوطن، وعن العلم والولاية والجاه، بل يصير قلبه إلى حالة يستوى فيها وجود الشيء وعدمه، ثم يخلو بنفسه في زاوية مع الاقتصار على الفرائض والرواتب، ويجلس فارغ القلب، مجموع الهم، ولا يفرق فكره بقراءة القرآن، ولا بالتأمل في تفسير، ولا يكتب حديث ولا بغيره، بل يجتهد أن لا يخطر بباله شيء سوى الله تعالى، فلا يزال بعد جلوسه في الخلوة قائلًا بلسانه: الله! الله! على الدوام مع حضور القلب، حتى ينتهي إلى حالة يترك تحريك اللسان، ويرى كأن الكلمة جارية على لسانه، ثم يصبر عليه إلى أن يمحى عن القلب صورة اللفظ، وحروفه وهيئة الكلمة، ويبقى معنى الكلمة مجردًا في قلبه، حاضرًا فيه، كأنه لازم له لا يفارقه... فلا يبقى بعد ذلك إلا الانتظار لما يفتح الله من الرحمة، كما فتحها على الأنبياء والأولياء بهذه الطريق، وعند ذلك – إن صدقت إرادته، وصفت همته، وحسنت مواظبته، فلم تجاذبه شهواته، ولم يشغله حديث النفس بعلائق الدنيا – تلمع لوامع الحق في قلبه).

وسئل الجنيد: بم نلت ما نلت؟ فأجاب: (بجلوسي تحت تلك الدرجة ثلاثين سنة).

وهكذا كان التطهر من الصفات الطبيعية البدنية والمبالغة فيه طريقًا إلى انكشاف المعارف عند الصوفية، (فإن تلك الهيئات الطبيعية والغشاوات البدنية إذا كشف عن وجهه بالرياضة والتوجه إلى الله تعالى بالإخلاص ظهرت تلك العلوم والحكم عليه)، (فإن ذلك تصفية للروح، وجلاء للنفوس، وتطهير للقلوب عن أحكام النفس وتخليتها عن الأوهام، والخيالات، فلا يبقى إلا الانتظار للفيض من العلوم الإلهية الحقة، فينكشف عليهم علوم إلهية، ومعارف ربانية، ويرد عليهم وارد إلهام هو حديث عهد بربه).

وذكروا للمجاهدة ثلاثة أنواع: المجاهدة الأولى: مجاهدة التقوى، وهي: الوقوف عند حدود الله، والمجاهدة الثانية: مجاهدة الاستقامة، وهي: تقويم النفس، وحملها على التوسط في جميع أخلاقها حتى تتهذب بذلك وتتحقق به... والمجاهدة الثالثة: مجاهدة الكشف والاطلاع، وهي: محو الصفات البشرية وتعطيل القوى البدنية بالرياضة والمجاهدة، حتى يحصل له ما يقع به الموت من ذلك أو ما يقرب منه، ثم محاذاة شطر الحق باللطيف الربانية لينكشف الحجاب، وتظهر أسرار العوالم والعلوم واضحة للعيان.

وذكروا للمجاهدة شروطًا هي:

1 – 2- حصول التقوى والاستقامة على فهمهم السابق.

3 – الاقتداء بشيخ سالك خبير بالمجاهدات.

4 – قطع العلاقات كلها عن النفس: بالزهد في كل شيء، والانفراد عن الخلق بالخلوة في مكان مظلم، أو لف الرأس في الجيب، والصمت بترك الكلام جملة، والجوع بمواصلة الصيام، والسهر...

تعليقات:

  • ظهر مما تقدم مقصد الصوفية بالكشف والخواطر والواردات.
  • إن المعارف التي تعتقد الصوفية ان من الممكن تحصيلها عن طريق الكشف لا تكاد تتناهى، فهو وسيلة لتجلية أسرار الملكوت، وحقائق الوجود، ولمعرفة الحلال والحرام، كما أنه وسيلة لكشف سر وحدة الوجود عند القائلين بها.
  • إن المعرفة المحصول عليها عن طريق الكشف هي أصح المعارف حتى إن علم صاحب الكشف مساو لعلم الله عند ابن عربي أحد أئمة التصوف.
  • اتفقوا على ان طريق الكشف هي الرياضة الصوفية، والتضييق على النفس.
  • إن اهتمام الصوفية الزائد بعلوم الكشف حول كثيرًا من العبادات عندهم عن غاياتها الأساسية، فبدل أن يكون القصد من أداء الفرائض، وإقامة النوافل التقرب إلى الله رغبة فيما عنده ورهبة من عقابه، أصبح الهدف أن تشرق الأنوار في القلوب، فيدرك المرء حقائق الأمور على ما هي عليه -  كذا زعموا – كما أن تضييقهم الزائد على النفس أدى بهم إلى اختراع أنواع من العبادات لم تكن معروفة في الشرع، كأمرهم بترك قراءة القرآن، والحديث مع الذكر بالاسم المفرد: الله! الله!.
  • أن هذه المجاهدات ما دام القصد منها استشراق الأنوار كثيرًا ما يفتر عنها المتعبد إذا داوم عليها مدة طويلة ولم يظهر له شيء، كما أن مجاوزة الحد في المجاهدات غالبًا ما تمنع من إعطاء الفرائض حقها، ويعترف الصوفية أنفسهم بأن هذين العنصرين من سلبيات هذا المسلك، يقول الطوسي: (ثم إن طبقة من الصوفية غلطت في العبادات والمجاهدات ورياضات النفوس، والمكابدات فلم تحكم في ذلك أساسها، ولم تضع الأشياء في مواضعها، فانهزمت ونكصت على أعقابها القهقري، وذلك أنهم حين سمعوا بمجاهدات المتقدمين، وما نشر الله بذلك أعلامهم في خلقه بالثناء الجميل، والقبول عند الناس وإظهار الكرامات طمعت نفوسهم وتمنوا، فتكلفوا شيئًا من ذلك، فلما طالت المدة ولم يصلوا إلى مرادهم كسلوا) أما التقصير في أمر الفرائض فقال عنه: (ورأيت جماعة من الأحداث كانوا يقللون الطعام، ويسهرون الليل، ويذكرون الله تعالى على الدوام، حتى كان أحدهم ربما يغشى عليه، وكان يحتاج بعد ذلك إلى أن يداوى، ويرفق به أيامًا حتى يقدر أن يصلي الفريضة).
  • أن مجاهداتهم لما جاوزت حد التقوى، والاستقامة – كما تقدم – دخلها الانحراف؛ فإن الشيء إذا جاوز حده انقلب إلى ضده.
  • أن قول الغزالي: كما فتحها على الأنبياء والأولياء بهذه الطريق) إشارة إلى محاولة كثير من الصوفية الاستدلال على الخلوات بتحنث النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء قبل الوحي، وهو استدلال خاطئ من وجهين على الأقل:

الوجه الأول: أن افعاله صلى الله عليه وسلم قبل النوبة لا تكون حجة للقيام بالعبادات إلا إذا ورد في الشرع ما يسند ذلك، وهو صلى الله عليه وسلم من حين نبأه الله لم يصعد إلى غار حراء ولم يشرع خلوه دورية، ولا فعله أحد من خلفائه الراشدين، ويؤكده.

الوجه الثاني:  أن قوله تعالى: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] نص صريح في أن الأسوة الصحيحة ما كانت بعد وقوع اتصافه بهذا الوصف (رسول الله) أما قبل ذلك فلا.

  • أنهم لما جعلوا علوم الكشف في أعلى المراتب كان بدهيًا أن تكون لها الصدارة على العلوم الشرعية التي لا تنال إلا بكد التعلم والدراسة، ومعنى أن تكون لها الصدارة أن يؤخذ بالكشف، ويؤول النص الشرعي؛ لأن هذا الأخير في المرتبة الدنيا، ولا غرابة في ترجيح الأعلى على الأدنى، وهذا يوضح بجلاء كيف كان الكشف أصلًا للتأويل عند الصوفية.

تحدث أبو حامد عن (الموفقين الذين يدركون الأمور بنور إلهي لا بالسماع) فقال: (ثم إذا انكشف لهم أسرار الأمور على ما هي عليه نظروا إلى السمع والألفاظ الواردة، فما وافق ما شاهدوه بنور اليقين قرروه، وما خالف أولوه، فأما من يأخذ معرفة هذه الأمور من السمع المجرد فلا يستقر له فيها قدم).

وعلق ابن تيمية على هذا المنهج التأويلي المبني على الكشف والذوق فقال: (ولهذا لما لم يكن لهم قانون قويم وصراط مستقيم في النصوص، لم يوجد أحد منهم يمكنه التفريق بين النصوص التي تحتاج إلى تأويل، والتي لا تحتاج إليه إلا ما يرجع إلى نفس المتأول المستمع للخطاب، لا ما يرجع إلى نفس المتكلم بالخطاب، فنجد من ظهر له تناقض أقوال أهل الكلام والفلاسفة، كأبي حامد وأمثاله ممن يظنون أن في طريقة التصفية نيل مطلوبهم يعلولون في هذا الباب على ذوقهم وكشفهم، فيقولون: إن ما عرفته بنور بصيرتك فقرره، وما لم تعرفه فأوله).

هذا وتجد الإشارة هنا إلى أن أولياء الله الذين آمنوا به، واتقوه هم الذين اقتفوا آثار النبي صلى الله عليه وسلم في العقيدة، والعبادة، والسلوك، فيفعلون ما أمر به، وينتهون عما عنه زجر، ويجعلون أمورهم كلها على الاتباع، ولا شيء منها على الابتداع، فلا إفراط في منهجهم ولا تفريط.

وهؤلاء يكرمهم الله تعالى بما يشاء مما يقوي دينه: فقد يقذف في قلوبهم من أنواره ما يوقفهم على خفايا مسائل الدين فيكون عملهم بعلمهم وتمسكهم بالسنة موجبًا للعلم بما لم يعلموا كما قال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 282]، {اأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال: 29].

قال ابن كثير رحمه الله: (فإن من اتقى الله بفعل أوامره وترك زواجره وفق لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سبب نصره، ونجاته، ومخرجه من أمور الدنيا، وسعادته يوم القيامة).

وهذا النوع من العلم محكوم بضوابط.

الأول: ألا يجعل الإنسان هدفه الأساسي تحصيل الكشف، فيتمكن منه الشيطان، فإن الاغترار في هذا الباب سريع الوقوع جدًا، وكل طعن يرد على المقاصد فهو قدح في العمل نفسه.

الثاني: يجب على المؤمن أن يتقيد بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل صغيرة وكبيرة من أموره، ولا يقدم بين يدي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فإذا جاءه خاطر أو وارد لزمه عرضه على السنة؛ لأن الشارع معصوم من الخطأ بخلاف صاحب الكشف، فما وافقها أخذ به لوجود مستند له من السنة لا لكونه كشفًا.

قال ابن تيمية رحمه الله: (وأهل المكاشفات والمخاطبات يصيبون تارة، ويخطئون آخرى، كأهل النظر والاستدلال في موارد الاجتهاد، ولهذا وجب عليهم جميعهم أن يعتصموا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأن يزنوا مواجيدهم، ومشاهداتهم وآرائهم ومعقولاتهم بكتاب الله وسنة رسوله، ولا يكتفوا بمجرد ذلك).

الثالث: عدم معارضة الكتاب والسنة بالكشف وحمل نصوصها، عليه تأويلًا، فإن تقديم الكشف والواردات على الكتاب والسنة جهل، ومكر من الشيطان اللعين.

قال الحافظ الذهبي رحمه الله: (وإذا رأيت السالك التوحيدي يقول: دعنا من النقل ومن العقل، وهات الذوق والوجد، فاعلم أنه إبليس قد ظهر بصورة بشر، أو قد حل فيه، فإن جبنت منه فاهرب، وإلا فاصرعه وابرك على صدره واقرأ عليه آية الكرسي واخنفه).

وقال ابن تيمية رحمه الله: (والمقصود أن كل من عارض كتاب الله بمعقوله أو وجده، أو ذوقه، وناظر على ذلك فقد جادل في الله بغير علم ولا هدى، ولا كتاب منير، ليضل عن سبيل الله؛ فإن كتاب الله هو سبيل الله).

وقال: (إذا أعرضوا عن الأدلة الشرعية لم يبق معهم إلا طريقان: إما طريق النظار وهي: الأدلة القياسية العقلية، وإما طريق الصوفية، وهي: الطريقة العبادية الكشفية، وكل من جرب هاتين الطريقين علم أن ما لا يوافق الكتاب والسنة منهما فيه من التناقض والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد، ولهذا كان من سلك إحداهما إنما يؤول به الأمر إلى الحيرة والشك، إن كان له نوع عقل وتمييز، وإن كان جاهلًا دخل في الشطح والطامات التي لا يصدق بها إلا أجهل الخلق، فغاية هؤلاء الشك، وهو عدم التصديق بالحق، وغاية هؤلاء الشطح، وهو التصديق بالباطل).

المرجع: د. محمد أحمد لوح، جناية التأويل الفاسد على العقيدة الإسلامية، دار بن عفان للنشر والتوزيع.

 



أعلى  
 
ما يفترونه من سماع النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخضر ، وبعثه أنس يسأله أن...
ما يفترونه من سماع النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخضر ، وبعثه أنس يسأله أن...


فإنه نتيجة لبعد كثير من المسلمين عن ربهم وجهلهم بدينهم في هذا الزمن فقد كثرت...
قال الحافظ ابن القيم "رحمه الله" في فصل عقده لأحاديث مشهورة باطلة من ((نقد المنقول والمحك...
اشتراك
انسحاب