اليوم : الخميس 5 شوال 1441هـ الموافق:28 مايو 2020م
جناية تأويلات الصوفية على العقيدة (3) الأصول التي بنى عليها الصوفية تأويلاتهم: الاعتماد على بعض أصول الباطنية والفلاسفة
تاريخ الإضافة: الأحد 21 رجب 1436هـ

جناية تأويلات الصوفية على العقيدة (3)

الأصول التي بنى عليها الصوفية تأويلاتهم: الاعتماد على بعض أصول الباطنية والفلاسفة

موقع الصوفية: د. محد أحمد لوح

من الأصول التي اتهر بها الباطنية أصل (الظاهر والباطن) حتى سموا بهذا الاسم، وقد قدمنا ما يتعلق به عند الباطنية.

وقبل تناول الموضوع بشيء من التفصيل لابد من الإشارة هنا إلى أن كلمة (الظاهر) و (الباطن) و(الشريعة) و(الحقيقة) – كما يحلو للصوفية أن يطلقوا عليها – من الكلمات المجملة التي تحتمل الحق والباطن، فإذا كان المقصود بـ (الظاهر) و(الشريعة) ظاهر الشرع من العبادات الظاهرة كإقامة الصلوات، وإخراج الزكوات، وأداء فريضة الحج وغير ذلك من العبادات البدنية، فهو حق وصحيح، وكذلك إذا كان المراد بـ (الباطن) و (الحقيقة) الأعمال الخفية المتعلقة بالقلوب، ووجوب الإخلاص وتصحيح النيات والمقاصد، فهو مطلب شرعي.

قال ابن تيمية: (إن كل قول وعمل فلابد له من ظاهر وباطن، فظاهر القول لفظ اللسان، وباطنه ما يقوم من حقائقه ومعانيه بالجنان، وظاهر العمل حركات الأبدان وباطنه ما يقوم بالقلب من حقائقه، ومقاصد الإنسان، فالمنافق لما أتى بظاهر الإسلام دون حقائق الإيمان لم ينفعه ذلك، وكان من أهل الخسران، بل كان في الدرك الأسفل من النار).

وإذا قارنا هذا الفهم السلفي بمفهوم (الظاهر) و (الباطن) عند الباطنية ظهر لنا أن الباطنية سلكوا مسلكًا آخر واتخذوا من قضية الظاهر والباطن مطية لتنفيذ أغراضها الفاسدة.

أما الصوفية فقد سلكوا في هذا الباب منهجًا ضاهوا فيه الباطنية إلى حد يدهش المتأمل، وكثيرًا ما يطلقون على هذه القضية (الحقيقة) و(الشريعة) ولعل ذلك يعود غلى الحرص على أن تكون لهم خصوصية تميزهم عن الباطنية المحضة لانكشاف أمرهم للقاصي والداني.

وإذا رجعنا إلى كلمات الصوفية في هذا الباب نجدهم يقولون في حدهم علم الباطن: (هو العلم المخزون، والعلم اللدني الذي اختزنه الله عنده، فلم يؤته إلا للمخصوصين من الأولياء...

وقال بعضهم: هي أسرار الله تعالى يبديها إلى أنبيائه وأوليائه، وسادات النبلاء من غير سماع، ولا دراسة، وهي من الأسرار التي لم يطلع عليها أحد إلا الخواص.

وقال أبو بكر الواسطي في قوله: {والراسخون في العلم} [آل عمران: 7] وهم الذين رسخوا بأرواحهم في غيب الغيب، وفي سر السر، فعرفهم ما عرفهم، وخاضوا في بحر العلم بالفهم لطلب الزيادة، فانكشف لهم من مذخور الخزائن، والمخزون تحت كل حرف وآية من الفهم، وعجائب النظر بحار فاستخرجوا الدرر والجواهر، ونطقوا بالحكمة).

وقالوا: (العلوم ثلاثة: ظاهر، وباطن، وباطن الباطن، كما أن الإنسان له ظاهر وباط، وباطن الباطن، فعلم الشريعة ظاهر، وعلم الظريقة باطن، وعلم الحقيقة باطن الباطن).

واستخدموا العبارة ذاتها التي تتناقلها الرافضة والباطنية، وهي قولهم: (لكل آية ظاهر وباطن، وحد ومطلع).

والعبارة الأخرى التي تنسبها الباطنية إلى النبي صلى الله عليه وسلم كذبًا ووضعًا استدل بها الصوفية، فيقول أحد أصحاب الفن مستدلًا، وموضحًا بعض مصطلحاتهم: (وقال صلى الله عليه وسلم: (إن للقرآن بطنًا، ولبطنه بطنًا، إلى سبعة أبطن – وفي رواية - : إلى سبعين بطنًا) وظهره: ما يفهم من ألفاظه ويسبق الذهن إليه، وبطنه: المفهوم اللازمة للنظر الأول، وحده: ما إليه ينتهي غاية إدراك الفهوم والعقول، ومطلعه: ما يدرك منه على سبيل الكشف والشهود، من الأسرار الإلهية، والإشارات الربانية، والمفهوم الأول الذي هو الظهر للعوام والخواص، والمفهومات اللازمة له هي للخواص، ولا مدخل فيها للعوام، والحد: للكاملين، والمطبع: لخلاصة أخص الخواص، كأكابر الأولياء).

وقالوا – في الربط بين هذا الباب وبين الحقيقة والشريعة -: (وأهل الظاهر هم: أهل الشريعة، وأهل الباطن هم: أهل الحقيقة).

(الشريعة كالسفينة، والطريقة كالبحر، والحقيقة كالدر، ومن أراد الدر يركب في السفينة، ثم شرع في البحر ثم وصل إلى الدر، فمن ترك هذا الترتيب لم يصل إلى الدر، فأول شيء وجب على الطالب هو: الشريعة، والمراد بالشريعة ما أمر الله تعالى ورسوله من الوضوء والصلاة... إلخ، والطريقة: الأخذ بالتقوى وما يقربك إلى المولى من قطع المنازل والمقامات، والحقيقة: فهو [هكذا] الوصول إلى المقصد ومشاهدة نور التجلي... كما قيل: الشريعة أن تعبده، والطريقة أن تحضره، والحقيقة أن تشهده).

إن هذا المثل التوضيحي ليعبر بكل جلاء عن الفلسفة الصوفية الباطنية التي تؤدي إلى إسقاط التكاليف، فالحقيقة هي القصد الأساسي، وهي كالدر، فكما أن صاحب الوسيلة إذا وصل إلى الهدف وحظى ببغيته استغنى بالغاية عن الوسيلة، فكذلك صاحب الحقائق بعد الوصول، وهذه الفلسفة – لاشك – مأخوذة من الباطنية الذين زعموا أن من فهم حقائق الدين وأسراره سقط عنه التكليف، كما تقدم نقله عنهم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في وصف الباطنية: (ويزعمون أن هذه النصوص لها تأويل وباطن يخالف الظاهر المعلوم للمسلمين... وقد دخل في كثير من أقوالهم في العلوم، أو في العلوم والأعمال طائفة من المنتسبين إلى التصوف، والكلام، وكلام ابن عربي وابن سبعين وأمثالهما من ملاحدة المتصوفة إلى قول هؤلاء).

وقول أبو الهيثم: (والباحث المتعمق في أصول الإسماعيلية كما تمثلها رسائل إخوان الصفا، وفلسفة الدعاة العبيديين لا تفوته رؤية الصلة الوثقى بينهما من ناحية، وبينهم وبين الأفلاطونية الحديثة من ناحية أخرى، ثم بين هؤلاء وبين الطرقية التي خلقت في المجتمعات الإسلامية دينًا جديدًا قوامه الإزدواجية القائمة على الظاهر والباطن، أو ما يسمونه بالشريعة والحقيقة، والتي استقرت أخيرًا في مذاهب ثلاثة: الوجودية، كما يمثلها صوفية ابن عربي، والاتحادية التي يدين بها ابن الفراض، والحلولية التي ادعاها الحلاج).

ويبدو أن تهويل الصوفية من أمر علم الباطن وتسميته بالحقيقة قصدوا من ورائها التقليل من شأن الظاهر، ومنثم جعله تحت رحمة علماء الباطن يتصرفون فيه كما يشاءون بالتأويل والتحريف حسب الأغراض والأهواء، وهذا ما صرح به بعضهم فقال: (أهل الظاهر هم: أهل الخبر واللسان، وعلماء الباطن هم: أرباب القلوب والعيان... وعلم الظاهر حكم، وعلم الباطن حاكم، والحكم موقوف حتى يأتي الحاكم يحكم فيه).

وبهذا يتضح لنا كيف كان هذا التقسيم أساسًا بني عليه التأويل، ولا ريب أن سبب لجوئهم إلى علم الباطن على هذا النحو هو: أنهم ليم يجدوا في النصوص الشرعية ما يساعهدم على إثبات وتقوية منهجهم ومسلكهم، ولا دليلا يستدلون به على طرقهم التي اخترعوها للوصول إلى غايتهم فالتجأوا إلى علم الباطن الذي تفقد الألفاظ اللغوية والاصطلاحات الشرعية دلالتها الحقيقية أمامه، ويخرج بها إلى متاهات وأغوار لا نهاية لها، ولا ضوابط.

يقول المستشرق نيكلسن – وهو باحث متخصص في التصوف المنسوب إلى الإسلام -: (ولا  يمكن أن يكون القرآن أساسًا لأي مذهب صوفي، ومع ذلك استطاع الصوفية – متبعين في ذلك الشيعة -  أن يبرهنوا بطريقة التأويل نصوص الكتاب والسنة تأويلًا يلائم أغراضهم، على أن كل كلمة في القرآن تخفي وراءها معنى باطنًا لا يشكفه الله إلا للخاصة من عباده الذين تشرق هذه المعاني في قلوبهم في أوقات وجدهم، ومن هنا نستطيع أن نتصور كيف سهل على الصوفية بعد أن سلموا بهذا المبدأ أن يجدوا دليلًا من القرآن لكل قول من أقوالهم، ولأي نظرية من نظرياتهم أيا كانت، وأن يقولوا: إن التصوف ليس في الحقيقة إلا العلم الباطن الذي ورثه علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم).

وشيء آخر لابد من الإشارة إلى أنه كان مما وسع مجال التأويل عند الصوفية واكد حاجتهم إلى تعميق جذور الباطن في نفوس المريدين، ألا وهو: الاشتغال بتأويل شطحات المشايخ وطاماتهم التي تخالف ظاهر الشرع – وما أكثرها – قال رجل لسهل بن عبد الله التستري: (من أصحب من الطوائف؟ فقال عليك بالصوفية، فإنهم لا يستكثرون، ولا يستنكرون شيئًا، ولكل فعل عندهم تأويل فهم يعذرونك على كل حال)، وفي رواية: (فإن للقبيح عندهم وجوهًا ومعاذير).

هذا ما يتعلق بسلوك الصوفية مسلك الباطنية في قضية الظاهر والباطن، واعتبارها أصلًا عظيمًا لتأويل الشريعة الإسلامية.

أما الفلاسفة فقد سلكوا مناهجهم المختلفة، واستعانوا بأصولهم على ركوب صهوة التأويل، والمعارف الفلسلفة لها جانبان:

  1. جانب يعتبر المعرفة القلبية هي غاية الغايات، والمقصد الأسنى، ممثلًا في الفلسفة الهندية التي تعد البوذية إحدى مظاهرها، والتي جددها السهروردي في وقت لاحق عن طريق إحياء الحكمة الإشراقية، وكان يمثلها لدى اليونان فيثاغورس ومدرسته.
  2. الجانب الأرسطي الذي يعتبر العقل المجرد وسيلة المعارف ومنبعها.

ولما كانت الصوفية قد تأثروا بكلا التيارين احتجنا إلى الوقوف على قنوات الاتصال بين الصوفية وبين الفلاسفة، مع ذكر شيء من معالم ذلك التأثير الفلسفي على الصوفية فكرًا وسلوكًا، فنقول:

إن الفلسفة الهندية تعتمد على إهمال البدن، وتعذيب النفس، لأجل الوصول إلى المعرفة: تحدث الشهر ستاني ت 548ه عن فيثاغورس فذكر أنه كان (يدعي أنه شاهد العوالم العلوية بحسه، وبلغ في الرياضة إلى أن سمع حفيف الفلك، ووصل إلى مقام الملك، وقال: ما سمعت شيئًا قط ألذ من حركاتها، ولا رأيت أبهى من صورها وهيئاتها).

وذكر أنه كان لفيثاغورس (تلميذ يدعي قلانوس، قد تلقى الحكمة منه، ثم صار إلى مدينة من مدائن الهند، وأشاع فيها مذهب فيثاغورس، وكان يرخمنين رجلًا جيد الذهن، نافذ البصيرة، صائب الفكر، راغبًا في معرفة العلوم العلوية، قد أخذ من قلانوس الحيكم حكمته... فلما توفى قلانوس ترأس برخمنين على الهند كلهم، فرغب الناس في تلطيف الأبدان وتهذيب الأنفس، وكان يقول: اي امرئ هذب نفسه وأسرع الخروج عن هذا العالم الدنس، وطهر بدنه من أوساخه، ظهر له كل شيء، وعاين كل غائب، وقد على كل متعذر... وبعد وفاته انبثقت فرقة من أتباعه تقول: إن التناسل في هذا العالم هو الخطأ الذي لا خطأ أبين منه؛ إذ هو نتيجة اللذة الجسدانية، وثمرة النطفة الشهوانية، فهو حرام، وما يؤدي إله من الطعام اللذيذ، والشراب الصافي، وكل ما يهيج الشهوة واللذة الحيوانية، وينشط القوة البهيمية فهو حرام أيضًا، فاكتفوا بالقليل من الغذاء على قدر ما تثبت به أبدانهم، ومنهم من كان لا يرى ذلك القليل أيضًا ليكون لحاقه بالعالم الأعلى أسرع).

هذا بيان لوصول هذا المذهب في شكله النظري من اليونان إلى الهند، أما مضمونه فيبدو أن الهنود كانوا على صلة بتطبيقه قبل ذلك، فقد ذكر المؤرخ ول ديورانت القديسين الممارسين لمذهب (اليوجا) ووصفهم فقال: (وهم بمثابة المعبر عن الديانة الهندية والفلسفة الهندية تعبيرًا ليس بعد وضوحه وغرابته وضوح أو غرابة، ثم تراهم كذلك في عدد أقل من الغابات وعلى جنبات الطرق لا يتحركون، ويستغرقون في تفكيرهم، منهم الكهول ومنهم الشباب، منهم من يلبس إلا تراب الرماد ينثره على جسده وخلال شعره المزركش، تراهم جالسين القرفصاء وقد لفوا ساقا على ساق، لا يتحركون، يركزون أبصارهم في أنوفهم أو سررهم، بعضهم يحدقون في الشمس ساعات متواليات، بل أيامًا متعاقبة، فيفقدوا إبصارهم شيئًا فشيئًا، وبعضهم يحيطون أنفسهم بألسنة حامية من اللهب في قيظ النهار، وبعضهم يمشون حفاة على جمرات النار، أو يصبون الجمرات على رؤوسهم، وبعضهم يرقدون عرايا الأجساد مدى خمسة وثلاثين عامًا على أسرة من حراب الحديد، وبعضهم يدحرجون أجسامهم على الأرض آلاف الأميال حتى يصلوا مكانًا يحجون إليه، وبعضهم يصفدون أنفسهم بالأغلال في جذوع الشجر، أو يزجون بأنفسهم في أقفاص مغلقة حتى يأتيهم الموت، وبعضهم يدفنون أنفسهم في الأرض حتى الأعناق، ويظلون على هذا النحو أعوامًا طوالا، أو طول الحياة، وبعضهم ينفذون سلكا خلال الأصداغ حتى يمر من الصدغين، فيستحيل عليهم فتح الفكين، وبهذا يحكمون على أنفسهم بالعيش على السوائل وحدها، وبعضهم يرفعون ذراعًا أو ساقًا حتى تذبل وتموت، وكثير منهم يجلسون صامتين في وضع واحد، وربما ظلوا في وضعهم أعوامًا، يأكلون أوراق الشجر، وأنواع البندق التي يأتيهم بها الناس، وهم في ذلك كله يتعمدون قتل إحساسهم ويركزون كل تفكيرهم بغية أن يزدادوا علمًا، ثم ذكر أن الهند عرفت هؤلاء الناس مدى ألفين وخمسمائة عام).

قلتك الحمد لله الذي أرسل إلى هذه الأمة رسولًا من وظائفه ما قاله عنه مولاه تبارك وتعالى: {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} [الأعراف: 157]

ومع الزمن عرفت الهند كذلك فلسفة (النيرفانا) وهي ذات رباط وثيق بالديانة البوذية الهندية، و(النيرفانا) كلمة سنسكريتية معناها: انتهاء الشهوة وانعدامها).

ومقصد هذه الفلسفة لا يختلف عن مقصد فلسفة (اليوجا) فهي تعني: اجتثاث الشهوة من أساسها ومنع النفس البشرية من رغباتها الغريزية لترتقي وتسمو وتصفو فتدرك الحقيقة، وتكون أهلًا للمعارف والجزاء، ومن هنا يرون أن (النيرفانا) هي: فقدان النفس لوعيها بذاتها، وأيضًا لكل إحساس أو فكر، وكما تنطفيء النار عندما تفقد الوقود كذلك ينطفيء الإنسان الذي يتوقف عن تغذية نار رغباته، وكما أن تلك النار تخمد إلى الأبد فكذلك الإنسان بعد أن يبلغ (النيرفانا) فإنه يخمد إلى الأبد، أي: يتوقف عن الانتقال من حياة إلى حياة، ومن تناسخ إلى تناسخ آخر، (وبانطفاء الوعي الفردي وتلاشي الرغبات والأحاسيس والوهم، والأعمال، والأفكار، يبلغ التحرر والانعتاق أو الحقيقة).

إذا تدور الفلسفة الهندية – على مختلف فروعها – حول نكران الذات، وتعذيب الجسد، باعتباره محلا للعاهات، ووعاء لسائر الكدرات، ومقصد هذه الفلسفة وثمرتها المرجوة التي من أجلها يخضعون الجسم والنفس لعمليات الإذلال والتعذيب هي التي يقول عنها البوذيون: (فمن وصل إلى هذه المرحلة – النيرفانا -  يتنور عقله وتنكشف له المعرفة المدركة عن طريق الذوق لا عن طريق الذات).

وقسموا (النيرفانا) إلى مقامين:

المقام الأول: الفناء شبه التام، وهو: فناء القديس في حياته، وفي هذه الحالة يعتبر فناؤه ناقصًا، لأن جسمه لم يزل حيًا يحتاج إلى المقومات الأربعة، وهي: الطعام، واللباس، والسكن، والدواء، أما نفسه فلا يحتاج إلى شيء، لأنها فانية ومنطفئة لا تعلق لها بالحياة الدنيا.

والمقام الثاني: الفناء التام، أو فناء الفناء، ذلك عند موت القديس بعد أن يبلغ (النيرفانا) لأنه في هذه الحالة لا يبقى منه شيء سواء كان جسمًا أم روحًا، والقديس في هذه الحالة يمشي عاريًا.

وهذه الفلسفة الهندية المعتمدة على المبالغة في تعذيب البدن والنفس انتقلت إلى الصوفية فملأ واكتبهم بأنواع مما سموه الرياضات والمجاهدات، بل وصنف بعضهم كتبًا خاصة بالرياضة، كما صنع الترمذي الحكيم.

ومن الوسائل التي استعملها الصوفية في ذلك ما سموه (أركان التصوف) ومن تأملها علم أنها أتتهم من الفلسفة الهندية، وهذه الأركان أربعة ذكرها أبو طالب المكي حيث قال: (أربع هن أساس بنيانه [يعني التصوف] وبها قوة أركانه: أولها الجوع، ثم السهر، ثم الصمت، ثم الخلوة، فهذه الأربع سجن النفس وضيقها، وضرب النفس وتقييدها، بهن تضعف صفاتها وعليهن تحسن معاملاتها، ولكل واحدة من الأربع صنعة حسنة في القلب).

ونظم أحدهم هذه الأركان في بيتين فقال:

بيت الولاية قسمت أركانه                                    ساداتنا فيه من الأبدال

ما بين صمت واعتزال دائم                          والجوع والسهر النزيه الغالي

أما الجوع: فأقله عندهم خمسة أيام، فقد نقل القشيري عن أبي علي الروذباري قوله: (إذا قال الصوفي بعد خمسة أيام: أنا جائع، فألزموه السوق وأمروه بالكسب).

وقال: (نظر أبو تراب يومًا إلى صوفي من تلامذته قد مد يده إلى قشرة بطيخ – وقد طوى ثلاثة أيام – فقال له أبو تراب: تمد يدك إلى قشرة بطيخ؟ أنت لا يصلح لك التصوف الزم السوق).

وقال أبو حامد الغزالي: (وقلة الطعام موت الشهوات، لأن كثرة الأكل قسوة القلب... والشبع يبعد من الله كما قال صلى الله عليه وسلم: (نوروا قلوبكم بالجوع، وجاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش، وأديموا قرع باب الجنة بالجوع والعطش، فإن الأجر في ذلك كأجر المجاهد في سبيل الله، وأنه ليس من عمل أحب إلى الله من الجوع والعطش، ولن يلج ملكوت السماء من ملأ بطنه، ومن ملأ بطنه فقد حلاوة الإيمان).

وأما السهر: فيقول الشبلي: (كنت في أول بدايتي إذا غلبني النوم أكتحل بالملح، فإذا زاد علي الأمر أحميت الميل فأكتحل به).

وعن يحيي بن معاذ: (جاهد نفكس بالطاعة والرياضة، فالرياضة هجر المنام، وقلة الكلام، وحمل الأذى من الأنام، والقلة من الطعام).

وأما الصمت: فقد جعلوه وسيلة من وسائل مجاهدة النفس، ولو قيدوه بالصمت عما لا يفيد من الكلام لكان صمتًا شرعيًا لقوله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت)، ولكنهم جعلوه صمتًا مطبقًا حتى عن بيان الحق.

فيقول القشيري في وصية المريد: (ويجب أن لا يخالف أحدًا، وإن علم أن الحق معه يسكت ويظهر الوفاق لكل أحد).

وأما الخلوة: فلهم فيها أشياء غريبة، فذكر الهجويري أن أبا عثمان المغربي في بداية حاله اعتزال عشرين سنة في البوادي، بحيث لم يكن يسمع آدميًا، حتى ذابت بنيته من المشقة، وصارت عيناه كسم الخياط، وتحول عن صورة الآدميين، وجاءه الأمر بالصحبة بعد عشرين عامًا.

ولأهمية الخلوة لدى الصوفية وعلو شأنها فقد أسقطوا بعض الواجبات لأجلها، ومن ذلك ما نقله الأموي عن المحاسبي قال: (ويسقط عن العبد بالخلوة وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويأمن مداهنة الناس، ويورث راحة القلب من غموم الدنيا، ويوقي شرور الخلق، وكلفة مداراتهم).

وقال الغزالي: (وفي العزلة خلاص، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إثارة للخصومات، وتحريك لغوائل الصدور... ومن جرب الأمر بالمعروف ندم عليه غالبًا).

قلت: أما من قصر نظره عن معرفة مذاهب السلف في الأمر والنهي؛ وسفلت همته، وانحصرت بغيته في حطام هذه الحياة الدنيا، وآثر ما فيها من الراحة والدعة، فلا سبيل له إلى مقام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على ما في ذلك من الأذى، وأما من آمن بربه، واقتدى برسوله صلى الله عليه وسلم وأراد الآخرة وسعى لها سعيها، وقام بما أوجبه الله عليه من الأمر والنهي فلا ندم له في الدنيا، ولا في الآخرة، والحمد لله.

ومن اشهر الوسائل التي يستخدمها الصوفية لتعذيب النفس وإذلالها (التسول) حيث يرون أن في التسول قمعًا للنفس وإذلالالها.

يقول الطوسي: (وكان بعض الصوفية ببغداد لا يكاد يأكل شيئًا إلا بذل السؤال، فسئل عن ذلك فقال: اخترت ذلك لشدة كراهية نفسي لذلك).

ولشدة اهتمامهم بالتسول حكموا بأن المريد لا يصح تصوفه ما لم يسأل الناس.

يقول الطوسي: (ودخل شيخ من أجلة الشيوخ بلدًا فرأى فيها مريدًا قد أجابته نفسه لكل شيء من الطاعات والعبادات، والفقر، والتقلل، وكان قد تولد له من ذلك قبول عند العامة، فقال له هذا الشيخ: لا يصح لك جميع ما أنت فيه إلا أن تكدي الكسر على الأبواب، ولا تأكل شيئًا غيرها، فصعب ذلك على المريد، وعجز عن ذلك، فلما كبر سنة اضطر إلى السؤال والحاجة، فكان يرى أن ذلك عقوبة لمخالفته لذلك الشيخ في أيام إرادته).

ولا ريب أن هذه المبادئ مستوردة من (النيرفانا) الهندية أو غيرها، لا من التعاليم الإسلامية، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن السؤال في أحاديث كثيرة، منها: قوله صلى الله عليه وسلم لقبيصة بن مخارق الهلالي: (يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة، فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، ورجل أصابته فلانا فاقة، فحلت له المسألة حتيى يصيب قوامًا من عيش، فما سواهن من المسألة – يا قبيصة – سحت يأكلها صاحبها سحتًا).

ولو فرضنا أن الإنسان مضطر للسؤال حفاظًا على حياته كما يجوز له أكل الميتة في هذه الحالة، فإننا لا نستطيع أن نفهم أن في ذلك وسيلة ذاتية لغفران الذنوب، ودخول الجنة، فكيف إذا لم يكن مضطرًا للسؤال؟ وهذا يؤكد لنا أن السؤال مطلب صوفي، وليس مما تجلئهم إليه الضرورة.

(عن ذي النون المصري قال: كان لي رفيق موافق – يعني صوفيًا – رعاه الله وانتقل من محنة الدنيا إلى نعمة العقبى، ورأيته في النوم فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، قلت: بأي خصلة؟ قال: أوقفني وقال : يا عبدي لقد تحملت كثيرًا من الذل، والمشقة من السفلة، والبخلاء، ومددت إليهم يدك، وصبرت في ذلك، وقد غفرت لك بذلك).

وقال الطوسي: (والأكل بالسؤال أجمل من الأكل بالتقوى).

ونقل ابن عجيبة عن التجيبي تأصيلا لأمر السؤال فقال: (كيفيته: أن يتؤضأ الرجل ويصلي ركعتين، ويأخذ الزنبيل [الوعاء] بيده اليمني، ويخرج إلى السوق ومعه رجل آخر يذكر الله ويذكر الناس، والناس يعطونه في ذلك الزنبيل حتى يجمع ما تيسر من الطعام، ويعبه بين الفقراء فيأكلون طعامًا حلالا بلا تكلف، ولا كلفة، هذا ما تيسر لنا في حكم السؤال).

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأكران الأربعة لو ضبطت بالضوابط الشرعية وقيدت بأسس الاعتدال لكان لها مستند من الشرع الحنيف، ولكنها لما خرجت عن حيز الانضباط ودخلت في حيز الإفراط، والبعد عن التشريع الإسلامي كان لابد أن يكون مصدره أجنبيًا عن الإسلام.

وهكذا: (فكما أجاع الهنود أنفسهم أجاع الصوفية أنفسهم، وكما أرهقت الهنود أنفسهم بالسهر اتبعهم الصوفية فأضعفوا أنفسهم، وكما أرهقت الهنود أنفسهم بالسهر اتبعهم الصوفية فأضعفوا أنفسهم في السهر، وكما صمت عباد الهنود ديانة سار على نهجهم الصوفية بالصمت، وكما اختلى الهنود في الغابات تعبدًا اقتفى أثرها الصوفية فسنوا لأنفسهم الخلوة والعزلة، وكما رغب الهنود عن العمل وفضلوا التكسب بالسؤال اتبعهم الصوفية معتبرين ذلك أفضل من العمل، كل ذلك من أجل رياضة النفوس، ومجاهداتها).

وقال الأستاذ إحسان رحمه الله: (والمعروف أن التسول والاستجداء والوقوف على أبواب الناس، وحمل المخلاة، والكشكول من لوازم الديانة  البوذية، ومن نصائح بوذا الثمانية المشهورة التي نصح بها دراويشة ورهبانه، كما أنه ألزمهم سير البراري، وقطع الصحاري، أو المكوث في الخانقاوات، والانشغال فيها بالذكر، ولقد أخذت الصوفية هذا النظام بكامله من البوذية، وألزموا أنفسهم به، كأنهم هم الذين نصحهم بوذا بذلك).

ويبدو لي أن من أهم الأسباب والعوامل المؤدية إلى انتقال فلسفة (النيرفانا) و (اليوجا) من الفسلفة الهندية إلى التصوف أولئك الذين دخلوا الإسلام وهم متشبعون بتلك الأفكار باعتبارها الشائعة في بلادهم، فكان من السهل عليهم إحياء تلك المبادئ في دائرة الإسلام باسم الزهد الإسلامي.

فهذا أبو زيد يتحدث عن شيخه في التصوف والذي كان حديث عهد بالكفر، فيقولك (صحبت أبا عي السندي، فكنت ألقنه ما يقيم به فرضًا، وكان يعلمني التوحيد والحقائق صرفًا).

ويؤكد هذا:

  1. أن معظم أوائل الصوفية قد نهلوا من مناهل أجنبية قبل تصوفهم، وكثير منهم ينحدرون من أصول غير عربية، كإبراهيم بن أدهم، وشقيق البلخي، وأبي يزيد البسطامي، ويحي بن معاذ الرازي، وغيرهم كثير.
  2. أن التصوف ظهر أولًا وانتشر في بلاد ما وراء النهر التي كانت مركز تلاقي الديانات والثقافات الشرقية.
  3. أن الصوفية أنفسهم اعترفوا بهذا التأثر، لقد تحدث المنوفي عن الحلاج وغيره فقال: (وأكثر الصوفية الأعاجم خلطوا بين الفلسفة الفارسية القديمة أو الهندية، وما قبسوه عن اليونانية والأفلاطونية الحديثة، وبين تصوفهم الخاص... وتأثروا ببراهمة الهند والفرس في أزيائهم وطقوسهم، واعتنقوا قدرًا من أفكارهم).
  4. إن من نظر في مناهج فلاسفة الهند الذين دخلوا الإسلام وتصوفوا لم يتردد في أن أولئك لم يعدلوا مما كان عندهم من (اليوجا) و(النيرفانا) شيئًا كثيرًا، وإليك نماذج قليلة من مجاهدات متصوفة الهند بعد الإسلام:
    1. حكى عماد الدين الأموي أن صوفيا هنديًا دمعت إحدى عينيه، ولم تبك الأخرى فقال للتي لم تدمع: لأحرمنك النظر إلى الدنيا، وغمض عينه فلم يفتحها أكثر من ستين سنة.
    2. وصوفي هندي آخر اسمه خضر سيوستاني كان يسكن في المقابر، ولا يلبس إلا رداء واحدًا، ويأكل العشب وأوراق الشجر، وكان له تنور يحميه ويتعبد فيه، وكان يتعبد في الصيف على جمر حار خصه لنفسه.
    3. وصوفي هندي آخر مشهور هو: فريد الدين المعروف بكنج شكر علق نفسه معكوسًا في بئر، ولم يزل على هذه الحالة أربعين سنة [كذا زعموا].
    4. وآخر اسمه أحمد عبد الحق حفر لنفسه قبرًا واشتغل فيه بالعبادة ستة اشهر.

وهكذا في قصص كثيرة مثيرة، تحكي كيف انتقل هؤلاء الهنود بعبادتهم السابقة إلى المسلمين.

ومن يتأمل قصة توبة إبراهيم بن أدهم وقارنها بقصة توبة بوذا [ت478ق م] ير العجب من تشابه القصتين لدرجة لا يشك معها ان الصوفية الذين حاكوا قصة إبراهيم صوروها صورة طبق الأصل لما كانوا سمعوه عن حياة بوذا وسيرته:

  • فكل واحد منهما كان في رغد من العيش، حيث كانت عائلة بوذا هي المالكة لبنارس، وابن أدهم كان أمير بلخ.
  • كل منهما ناداه مناد سمع سوته فوعظه، فتنبه إلى ضرورة ترك الدنيا.
  • بينما يخلع بوذا ملابسه وأملاكه ويعطيها لخادمة [جانا] نجد ابن أدهم يخلع ملابس الملك ويعطيها لعبده الذي كان يرى غنمه، ويهب له الغنم بعد ما تسلم منه ملابس الرعي.
  • كل منهما عند مغادرته بلده كان ترك زوجة استقبلت مولودها الأول للتو.
  • تعرض الشيطان وحاول صدهما عن الزهد والرياضة، وذكرهما بما كانا عليه من الملك، فصمدا.
  • اعتزل بوذا في بعض الخرب ستة أعوام، واختلى ابن أدهم في غار بنيسابور تسعة أعوام ظهر لهما الكشف والإشراق بعد ذلك.

وقريب من فلسفة (النيرفانا) النهندية فلسفة فارسية عرفت بالإشراقية، وهذه الفلسفة كشفية بحتة.

يقول النشار: (الكشف حكمة المشارقة من أهل فارس، إن حكمتهم ذوقية فنسبت إلى الإشراق الذي هو ظهور الأنوار العقلية ولمعانها وفيضانها بالإشراقات على الأنفس عند  تجردها).

وهذه الفلسفة اللدنية، أو الكشفية انتقلت من اليونانيين إلى أهل فارس، فإنها كانت حكمة اليونان قاطبة عدا أرسطوا وأتباعه الذين كانا اعتمادهم على البرهان العقلي لا غير.

وجاء في (التعريفات): (الحكماء الإشراقيون رئيسهم أفلاطون) وحقيقة هذه الحكمة هي ما ذكره الشهرستاني في قوله: (ومذهبهم في الباري أنه نور محض، إلا أنه لابس جسدًا ما يستتر به لئلا يراه إلا من استأهل رؤيته واستحقها فإن من حارب النفس الشهوية حتى منعها عن ملاذها فهو الناجي من نيات العالم السفلي، ومن لم يمنعها بقى أسيرًا في بدنها، والذي يريد أن يحارب هذا أجمع فإنما يقدر على محاربتها بنفي التجبر والعجب، وتسكين الشهوة، والحرص والبعد عما يدل عليها ويوصل إليها).

إذا نحن أمام فلسفة تفترض رؤية داخلية، وتجربة صوفية تهدف إلى تفجير طاقات وأنوار تشرق على القلوب فتنكشف المعارف.

ويبدو أن هذه الفلسفة الأفلاطونية المصبوغة بالصبغة الفارسية تلقتها الصوفية عن طيرق المصاحبة والاختلاط بهؤلاء الفلاسفة، والفلسفة ذاتها وصلت إلى الفرس بانتقال بعض المعلمين من اليونان إلى جنديسابور – كما تقدم -.

ويقول صاحب (قصة الحضارة): (وازدهرت حركة التصوف في بلاد الفرس بنوع خاص، ولعل سبب ازدهارها فيها قربها من بلاد الهند، كما ازدهرت في جنديسابور بتأثير الديانة المسيحية وتقاليد الأفلاطونية الجديدة التي وضعها فلاسفة اليونان بعد أن فروا من أثينة إلى فارس).

أما العلاقات الوطيدة التي نشأت بين رجال التصوف وبين الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام فيمكن أن نشير إلى بعض مظاهرها باعتبارها إحدى أسباب التأثر:

  •  فأبو سعيد بن ابي الخير الصوفي الفارسي ت 440ه المشهور كان من أهل خراسان، واتصل بابن سينا الفيلسوف، وحكايات ابن أبي الخير مع ابن سيناء مشهورة، وروى أنه قال : (إن ما يراه ابن سينا أعرفه)، ويعني: أن المعارف التي يصل إليها ابن سيناء بأقيسته المنطقية، وبراهينه الفلسفية، يصل إليها ابن أبي الخير عن طريق رياضاته ومجاهداته، وهذا يدل على الموافقة التامة.
  • والحلاج ت 309ه الصوفي المشهور كان صديقًا حميمًا لمحمد بن زكريا الرازي ت 313ه الفيلسوف المعروف.
  • وابن سبعين ت669ه الصوفي الوحدوي الشهير كان مشهورًا بالفلسفة أيضًا واسع المعرفة بها والاطلاع عليها، والتمسك بمحصلاتها، وكان يبالغ في تعظيم ابن باجة الفيلسوف الأندلسي المعروف ت 533ه.
  • وأبو حامد الغزالي الصوفي أخذ مادته الفلسفية من كلام ابن سينا، ولذلك قالوا: أبو حامد أمرضه (الشفا).
  • وكان الجيلي الصوفي المعروف من أعظم الناس تعظيمًا لأفلاطون، حتى قال: (ولقد اجتمعت بأفلاطون الذي يعدونه أهل الظاهر كافرًا، فرأيته ملأ العالم الغيبي نورًا وبهجة، ورأيت له مكانًا لم أرها إلا لآحاد من الأولياء، فقلت له: من أنت؟ قال: قطب الزمان، وواحد الأوان، ولكم رأينا من عجائب وغرائب مثل هذا ليس من شرطها أن تفشي).

ومن أبرز الفلاسفة الذين انتصروا لعقيدة وحدة الوجود – التي كانت إحدى نتائج الحكمة الإشراقية – أبو نصر الفارابي، وذلك عن طريق التوفيق بين نظرية وحدة الوجود.

ومعنى الفيض: أن جميع المخلوقات فاضت عن الذات العلية، فمنها مبدؤها وإليها معادها.

يقول الفارابي: (واجب الوجوب مبدأ كل فيض، وهو ظاهر على ذاته بذاته، فه الكل من حيث لا كثرة فيه).

ويقول في إشارة واضحة إلى الجمع والفرق الصوفيين: (كل مدرك متشبه من جهة ما يدركه تشبه التقبل والاتصال، فالنفس المطمئنة ستخالط معنى من اللذة الخفية على ضرب من الاتصال فترى الحق في كل شيء، وتبطل عن ذاتها فإذا رجعت إلى ذاتها وآلت فأف).

وهكذا (كما حاول (فلاسفة الإسلام) أن يدخلوا عقائد اليونان المتيافيزيقية [ماوراء الطبيعة] في عقول المسلمين نرى بعض صوفية الإسلام يلجأون في التصوف إلى بحث ميتافيزيقي تأثر بكل ما حوله من فلسفات...وانتهوا إلى عقائد مختلفة أهمها عقيدة الحلول، وعقيدة وحدةى الوجود).

وبعد السهروردي المقتول سنة 587ه أبرز من قام بدور فعال في إحياء الحكمة الإشراقية الفارسية، حيث لاحظ أن هناك ما يشبه الجفوة بين الفلاسفة المشائين أتباع أرسطوا العقلانيين، وبين الصوفية المتأثرين بفلاسفة الهند، والأفلاطونية الجديدة الذين عولوا على الكشف تعويلا كليًا، وأحدثت هذه الجفوة فجوة ونزاعًا بين أهل النظر القياسي من المتكلمين العقلانيين، وبين أهل الذوق من الصوفية حتى جاء السهروردي – وهو فيلسوف عرف التصوف – فحاول التوفيق بين الطائفتين بأسلوبه الخاص، فأحيا حكمة فارس القديمة ممزوجة بمنهج أرسطو العقلاني، وسماها (المنطق الشرقي) أو (الحكمة الإشراقية).

وذكر السهروردي أنه لم يتوصل إلى هذه الحكمة عن طريق البحث والنظر والبرهان، بل حصل عليها بالذوق والكشف، ثم وضعه – حسب زعمه – في شكل برهاني، يقول: (لم يحصل لي أولًا بالفكر، بل كان حصوله بأمر آخر، ثم طلبت الحجة عليه).

وقال: (إن النفس إذا قويت بالفضائل الروحانية، وضعف سلطان القوى البدنية بتقليل الطعام وتكثير السهر تتخلص أحيانا إلى عالم القدس، وتتصل بأبيها المقدس، وتتلقى منه المعارف).

والرجل مع أنه حمل حملات عنيفة على الفلسفة الأرسطية إلا أنه لم يتمكن من التخلص منها، فكل ما فعله أنه قرر مجموعة من العقليات كما صنع غيره من الفلاسفة، ثم زعم أن هذا العلم لم يحصل عليه بالتفكير على طريقة الفلاسفة، بل بالكشف والذوق، وذلك ليقنع الصوفية والعقلانيين بطريقته، وبذلك كان السهروردي بحق همزة الوصل بين أهل الكشف، وأهل البرهان من الفلاسفة.

ومثله في ذلك مثل القونوي الفيلسوف الصوفي الذي يقول: (إن الفلك الأطلس المسمى بلسان الشرع العرش، وفلك الثوابت المسمى عند أهل الشرع الكرسي قديمان كما يدل عليه الكشف الصحيح، والعيان الصريح).

وبكل ما سبق نستطيع أن نقرر:

  1. أن (النيرفانا) و (اليوجا) الهنديتين، والنظريات الفيضية الأفلاطونية، والفلسفة الإشراقية الفارسية، وإن اختلفت في الأسماء إلا أنها تهدف إلى شيء واحد هو الوصول إلى اكتساب المعارف وتفجيرها عن طريق الرياضات والمجاهدات.
  2. أن أهل الفيض والإشراق اتفقوا على القول بوحدة الوجود، مع اختلاف يسير في تطبيق النظريتين.
  3. أن بعض الصوفية أخذ خلاصة ما توصل إليه هؤلاء، فأخرجوه في قوالب المكاشفات والمخاطبات الصوفية.
  4. أن الصوفية بعد أن تقرر لديهم ما للكشف من الأهمية حتى صار مرجعًا لفهم النصوص، وأصلًا لتأويلها – كما سبق تحقيقه – قد أخذوا عن الفلاسفة طريقة الوصول إلى المعارف وهي: المبالغة في تعذيب البدن، وإذلال النفس.

وحتى تتضح لنا صورة تأثر الصوفية بالفلاسفة في قضية التأويل لابد أن نلفت الأنظار هنا إلى أن القوم – بعد أن أخذوا من الباطنية مذهبهم في الظاهر والباطن – جاروا الفلاسفة في قضية ذات صلة وثيقة بالظاهر والباطن، وهي قضية تقسيم الناس إلى عوام وخواص، واعتبار خطاب الشرع خطابًا ثنائيًا غير موجه كله إلى الناس، فابن عربي – وهو الذي يمثل القمة في ميدان التأويلات الصوفية – له نظرتان إلى الناس: فهو عندما يخاطب أهل الظاهر الذين يرى أنهم لم يقفوا على حقيقة الكشف الإلهي، ولم يكن لهم نصيب من التجليات الإلهية فإنه يتظاهر بترك التأويل، بل ويذمه أحيانًا، وهذا هو الغالب على منحاه في (الفتوحات) حيث يرى التفويض في الصفات.

وأما الاتجاه الثاني الذي يمثل حقيقة مذهبه الذي يضن به على غير أهله، فهو أن ظاهر الشرع عنده ليس إلا نصيب العامة من الناس وأصحاب النظر الفكري، كما أن الأنبياء إنما خاطبوا عوام الخلق بلسان الظاهر في حين أنهم يرمزون إلى أهل الكشف والعرفان، بأن وراء هذا الظاهر باطنًا خاصًا بأهل الكشف وحدهم).

وأبو حامد – رغم حملته المشهورة المسعورة على الفلسفة، وإغراقه في التصوف – لم يتخلص من الأسس الفلسفية، والأصول اليونانية، كيف يتخلص منها والتصوف ذاته مزيج من الأسس والعقائد المختلفة، ومن ضمنها تلك الأسس والأصول؟-  والذي يقرأ كتب الغزالي بإمعان يكاد يجزم بأن الرجل كان يخفى عن قرائه مذهبًا موغلًا في الغموض، وكان يشر إليه بين الحين والآخر عن طريق التلويح، ويصرح في بعض كتبه بأنه صنف كتابًا أودعه أسرار ذلك المذهب، وكتم أمره عن الناس حتى لا يتضرر به من هم دونه في المعرفة والفطنة.

يقول أبو حامد: (وهذه العلوم الأربعة: أعني علم الذات، والصفات، والأفعال، وعلم المعاد أودعنا من أوائله ومجامعه القدر الذي رزقناه... بعض التصانيف، لكنا لم نظهره، فإنه يكل عن فهمه أكثر الأفهام، ويستضر به الضعفاء، وهم أكثر المترسمين بالكلام، وحرام على من يقع هذا الكتاب في يده أن يظهره إلا على من استجمع هذه الصفات).

ويقول: (وإن أردت صريح المعرفة بحقائق هذه العقيدة... فلا تصادفه إلا في بعض كتبنا المضنون بها على غير أهلها).

(ونحن إذا قرأنا (جواهر القرآن) وقارناه برسالة ابن سينا (الأضحوية في أمر المعاد) وجدنا الشبه واضحًا، والعلاقة قوية بينهما، فالفكرة التي سادت الكتابين واحدة، وإن اختلفت ألفاظ الغزالي عن ألفاظ ابن سينا، إلا أن هذا لا ينفي أن التأويل هو الفكرة السائدة في منهج الكتابين، فالخطاب الديني عندهما ليس إلا رمزًا ومثالا فقط، أما الحقائق الباطنية عندهما فهي الجوهر المقصود الذي لا يكشف عنه إلا للخاصة).

ومن تنظيراتهم لهذا التقسيم قول الكمشخناوي: (أما الذين اقتصروا على الشريعة فهم العامة) وقرروا أن (أكثر الشريعة جاءت على فهم العامة).

المقصود من هذا كله: أن هذه الأسس الباطنية، والأصول الفلسفية لما غزت علوم الأمة الإسلامية لم ينج منها لا المتكلمون، ولا الصوفية، بل تأثروا بها تأثرًا بالغًا ظهر في حياتهم الثقافية والفكرية، ومناهجهم العملية والسلوكية، فكانت الأساليب الهندية والأفلاطونية والفارسية في تعذيب النفس والتضييق على البدن هي وسيلة هؤلاء الصوفية للوصول إلى الكشف الذي يعدون معارفه أرقى المعارف، وبالتالي قدموه على النصوص الشرعية إن هي تعارضت معه، كما جعلوا من تقسيم الناس إلى عوام وخواص، وتقسيم خطاب الشرع تبعًا لذلك إلى خطاب جمهوري وغيره وسيلة لتأويل كثير من النصوص الشرعية، وذلك كله في دائرة ضوء منهج الباطنية القاضي بتقسيم كل شيء إلى ظاهر وباطن.

المرجع: د. محمد أحمد لوح، جناية التأويل الفاسد على العقيدة الإسلامية، دار بن عفان للنشر والتوزيع.

 



أعلى  
 
ما يفترونه من سماع النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخضر ، وبعثه أنس يسأله أن...
ما يفترونه من سماع النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخضر ، وبعثه أنس يسأله أن...


فإنه نتيجة لبعد كثير من المسلمين عن ربهم وجهلهم بدينهم في هذا الزمن فقد كثرت...
قال الحافظ ابن القيم "رحمه الله" في فصل عقده لأحاديث مشهورة باطلة من ((نقد المنقول والمحك...
اشتراك
انسحاب