الرئيسة - الاتباع دليل المحبة - أطفالنا وحب الرسول صلى الله عليه وسلم
 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

أطفالنا وحب الرسول صلى الله عليه وسلم

د . أماني زكريا الرمادي

تمهيد:

الحمد لله رب العالمين، حمداً يليق بجلاله وكماله، حمداً على قدر حبه لرسوله الأمين، حمداً يوازي عطاءه للمؤمنين... والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين:

خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وقائد الغُر المُحجَّلين؛ سيدنا محمد، وآله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد.

فقد فتُرت علاقة المسلمين - بمرور الزمن، وتتابع الفتن برسولهم صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى اقتصرت في معظم الأحيان- على الصلاة عليه عند ذكره، أو سماع من يذكره؛ أو التغني به في ليلة مولده أو ذكرى الهجرة أو ليلة الإسراء... دون أن تكون بين المسلمين وبينه تلك الرابطة القوية التي أرادها الله سبحانه لهم من خلال حبه صلى الله عليه وسلم، والتأسي به في أخلاقه وأفعاله.

وإذا كان المسلمون في عصرنا الحالي - خاصة الشباب منهم- يدَّعون أنهم يحبون الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن أفعال بعضهم تؤكد عكس ذلك؛ ربما لأنهم لا يعرفون كيف يحبونه!!

وفي خضم الحياة المعاصرة نجد الأمور قد اختلطت، والشرور قد سادت، وأصبح النشء والشباب يرددون: نحن لا نجد القدوة الصالحة ...وبدلاً من أن يبحثوا عنها نراهم قد اتخذوا المشاهير من المفكرين أو الممثلين السينمائيين، أو اللاعبين، أو المطربين قدوة ومثلاً ... وما نراهم إلا استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير!!!

من هنا كانت الحاجة ملحة لأن نعيد إلى أذهاننا وأذهان أبنائنا من الأطفال والشباب الصورة الصحيحة للقدوة الصالحة، والشخصية التي تستحق أن تُتبع وأن يُحتذى بها.

وفي السطور القليلة القادمة نرى محاولة لإعادة الصورة الواضحة للقدوة المثالية التي تستحق أن تتبع، وتأصيل ذلك منذ الطفولة حتى نبني أجيالاً من الشباب الصالحين الذين يمكن أن يكونوا هم أنفسهم قدوة لغيرهم.

ولا تخفي كاتبة هذه السطور أنها تمنت- أثناء قراءتها لإعداد هذا المقال- أن يوفقها المولى سبحانه لتتصف ببعض صفاته صلى الله عليه وسلم ... وهي الآن تتمنى ذلك أيضاً لكل من يقرؤه، وعلى الله قصد السبيل، ومنه وحده التوفيق...والحمد لله رب العالمين.

د.أماني زكريا الرمادي

 

1- ما هو حب الرسول صلى الله عليه وسلم؟

إن المقصود بحبه ليس فقط العاطفة المجردة، وإنما موافقة أفعالنا لما يحبه صلى الله عليه وسلم، وكُره ما يكرهه، وعمل ما يجعله يفرح بنا يوم القيامة...ثم التحرق شوقاً للقياه، مع احتساب أننا لا نحبه إلا لله،  ‍وفي الله، وبالله.

وخلاصة حبنا له أن يكون صلى الله عليه وسلم أحب إلينا من أنفسنا وأموالنا وأولادنا؛ فقد روى البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: { لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده}، فلما قال له عمر: {لأنت يا رسول الله أحب إليَّ من كل شيء إلا نفسي، قال له صلى الله عليه وسلم: لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك، فلما قال له عمر: فإنك الآن أحب إلي من نفسي يا رسول الله، قال له: الآن يا عمر} !!

2- لماذا يجب أن نحب الرسول صلى الله عليه وسلم؟؟؟

أ-لأن حبه صلى الله عليه وسلم من أساسيات إسلامنا، بل أن الإيمان بالله تعالى لا يكتمل إلا بهذا الحب!!! وقد اقترن حبه صلى الله عليه وسلم بحب الله تعالى في الكثير من الآيات القرآنية، منها على سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى: (( قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ))[التوبة: 24]، و (( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ))[آل عمران: 31] .

ب- لأنه حبيب الله الذي أقسم بحياته قائل: (( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ))[الحجر: 72] .

والذي اقترن اسمه صلى الله عليه وسلم باسمه تعالى:

* مرات عديدة في القرآن الكريم.

* و في الشهادة التي لا ندخل في الإسلام إلا به.

* وفي الأذان الذي يُرفع خمس مرات في كل يوم وليلة.

كما نرى الله تعالى قد فرض علينا تحيته صلى الله عليه وسلم بعد تحيته سبحانه في التشهد في كل صلاة........ فأي شرف بعد هذا الشرف؟!!!

ج- لأنه حبيب الرحمن الذي قرَّبه إليه دون كل المخلوقات ليلة المعراج، وفضَّله حتى على جبريل عليه السلام، كما خصه صلى الله عليه وسلم بخصائص لم تكن لأحد سواه، منه: الوسيلة، والكوثر، والحوض، والمقام المحمود...ومن الطبيعي أن يحب المرء حبيب حبيبه، فإذا كنا نحب الله عز وجل، فما أحرانا بأن نحب حبيبه!!!

د-لأن حبه صلى الله عليه وسلم ييسر احترامه، واتباع سنته، وطاعة أوامره، واجتناب نواهيه... فتكون النتيجة هي الفوز في الدنيا والآخرة.

هـ-لأن( الله تبارك وتعالى قد اختاره من بين الناس لتأدية هذه الرسالة العظيمة، فيجب أن نعلم أنه اختار خير الأخيار، لأنه سبحانه أعلم بمن يعطيه أمانة الرسالة، ومادام اصطفاه من بين كل الناس لهذه المهمة العظيمة، فمن واجبنا نحن أن نصطفيه بالمحبة من بين الناس جميعاً)

هـ- لأنه صلى الله عليه وسلم النبي الوحيد الذي ادَّخر دعوته المستجابة ليوم القيامة كي يشفع بها لأمته، كما جاء في صحيح مسلم: {لكل نبي دعوة مجابة، وكل نبي قد تعجــل دعــوته، وإنــي اختبأت دعوتي شفــاعة لأمتي يــوم القيامة}، وهو الذي طالما دعا ربه قائل: {يا رب أمتي، يا رب أمتي}، وهو الذي سيقف عند الصراط يوم القيامة يدعو لأمته وهم يجتازونه، قائل: { يا رب سلِّم، يا رب سلِّم}

و- لأنه بكى شوقا إلينا حين كان يجلس مع أصحابه، فسألوه عن سبب بكائه، فقال لهم: {اشتقت إلى إخواني، قالو: ألسنا بإخوانك يا رسول الله؟ قال لهم: لا، إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني} !!

ز- لأن المرء مع مَن أحب يوم القيامة كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، فإذا أحببناه حقاً صرنا جيرانه- إن شاء الله- في الفردوس الأعلى مهما قصرت أعمالنا، فقد روى أنس بن مالك أن أعرابياً جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال له: { وما أعددت لها؟}، قال: حب الله ورسوله، قال: { فإنك مع مَن أحببت} !!

و-لأن الخالق- وهو أعلم بخلقه- وصفه بأنه ((لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ))[القلم: 4]، وبأنه: ((عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ))[التوبة: 128]؛ كما قال هو عن نفسه: { لقد أدَّبني ربي فأحسن تأديبي}، ولقد ضرب صلى الله عليه وسلم أروع الأمثال بخُلُقه هذا، فأحبه، ووثق به كل من عاشره من المؤمنين والكفار على السواء، فنشأ وهو معروف بينهم باسم الصادق الأمين ...أفلا نحبه نحن؟!

ح- لأن الله تعالى شبَّهَه بالنور -الذي يخرجنا من ظلمات الكفر والضلال، ويرشدنا إلى ما يصلحنا في ديننا ودنيانا- في قوله سبحانه: ((قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ))[المائدة: 15] فالإسلام لم يأت إلينا على طبق من ذهب، وإنما وصل إلينا بفضل الله تعالى، ثم جهاد النبي صلى الله عليه وسلم وصبره وملاقاته الصعاب" ...فما من باب إلا وطرقه الكفار ليثنوه عن عزمه، ويمنعوه من تبليغ الرسالة؛ فقد حاولوا فتنته، بإعطائه المال حتى يكون أكثرهم مالاً، وبجعله ملكا وسيدا ً عليهم، وبتزويجه أجمل نساء العرب، فكان رده عليهم-حين وسَّطوا عمه أبي طالب- {والله يا عم، لو وضعوا القمر في يميني، والشمس في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يُظهره الله، أو أهلك دونه} .

ثم هم هؤلاء يحاولون بأسلوب آخر وهو التعذيب الجسدي والمعنوي، (ففي الطائف أمروا صبيانهم، وعبيدهم برميه بالحجارة، فرموه حتى سال الدم من قدميه، وفي غزوة أُحُد شُقت شفته، وكُسرت رباعيته صلى الله عليه وسلم، وفي مكة وضعوا على ظهره روث جزور، وقاطعوه وأصحابه حتى كادوا يهلكون جوعاً، وفي غزوة الخندق جاع حتى ربط الحجر على بطنه صلى الله عليه وسلمولكنه لم يتوقف عن دعوته، بل واصل معتصماً بربه، متوكلاً عليه).

ز- لأن حبه يجعله يُسَرُّ بنا عندما نراه يوم القيامة عند الحوض فيسقينا من يده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبداً.

ح- لأنه هو اللبنة التي اكتمل بها بناء الأنبياء الذي أقامه الله جل وعلا، كما أخبر بذلك أبو هريرة وجاء في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال: {إن َمثَلي ومَثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وُضِعَتْ هذه اللبنة ؟ فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين} .

3- لماذا هو خير قدوة ؟

أ- لأن الله تعالى- وهو أعلم بنا وبه- قال في كتابه العزيز: "لقد كان لكُم في رسولِ اللهِ أسوةٌ حسنةٌ لمَن كان يرجو اللهَ واليومَ الآخر فلا يعرف قدر رسول اللـه إلا اللـه. وإن قدره عند اللـه لعظيم! وإن كرامته صلى الله عليه وسلم عند اللـه لكبيرة! فقد علِم الله سبحانه أن منهج الإسلام يحتاج إلى بشر يحمله ويترجمه بسلوكه وتصرفاته، فيحوِّله إلى واقع عملي محسوس وملموس، ولذلك بعثه صلى الله عليه وسلم بعد أن وضع في شخصيته الصورة الكاملة للمنهج- ليترجم هذا المنهج ويكون خير قدوة للبشرية جمعاء.

فهو المصطفى وهو المجتبى... فلقد اصطفى اللـه من البشرية الأنبياء واصطفى من الأنبياء الرسل واصطفى من الرسل أولى العزم واصطفى من أولى العزم محمد صلى الله عليه وسلم، ثم اصطفاه ففضله على جميع خلقه شرح له صدره، ورفع له ذكره، ووضع عنه وزره، وزكَّاه في كل شىء:

زكاه في عقله فقال سبحانه: (( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ))[النجم: 2] .

زكاه في صدقه فقال سبحانه: (( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ))[النجم: 3] .

زكاه في صدره فقال سبحانه: (( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ))[الشرح: 1].

زكاه في فؤاده فقال سبحانه: (( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ))[النجم: 11].

زكاه في ذكره فقال سبحانه: (( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ))[الشرح: 4].

زكاه في طهره فقال سبحانه: (( وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ))[الشرح: 2] .

زكاه في علمه فقال سبحانه: (( عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ))[النجم: 5] .

زكاه في حلمه فقال سبحانه: (( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ))[التوبة: 128] .

زكاه كله فقال سبحانه: (( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ))[القلم: 4] .

فهو صلى الله عليه وسلم رجل الساعة، نبي الملحمة، صاحب المقام المحمود الذي وعده اللـه به دون جميع الأنبياء في قوله: (( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ))[الإسراء: 79] .

فهذا هو المقام المحمود كما في حديث مسلم من حديث أبى هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: {أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأنا أول من ينشق عنه القبر وأنا أول شافع وأول مشفع } .

ب-لأنه إمام الأنبياء الذي صلى بهم في المسجد الأقصى ليلة الإسراء والمعراج، أفنستنكف نحن عن أن نتخذه إماما وقدوة؟!

ج-لأنه فُضِّل على الأنبياء - كما جاء في الصحيحين - من حديث أبى هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: {فُضِّلتُ على الأنبياء بسـت: أُعطيـت جوامـع الكلـم (فهو البليغ الفصيح) ونُصرت بالرعـب - وفى لفظ البخاري (مسيرة شهر - وأُحلت لي الغنائم، وجُعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأُرسلت إلى الخلق كافة، وخُتم بي النبيون} .

د- لأن الله عصمه، وأرشد خطاه، وسدد رميته، وجعله {لا ينطق عن الهوى} .

هـ- لأنه صلى الله عليه وسلم بشر مثلنا، يفرح ويحزن، يجوع ويعطش، يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، يصوم ويفطر، يمرض، ويتألم، ويصح جسده؛ يتزوج وينجب، ويفقد أولاده، ويفقد زوجاته، ويقيم ويسافر...فهو (النبي الوحيد الذي نستطيع أن نقتدي به في كل نواحي حياته لأن حياته كانت كالكتاب المفتوح).

(فقد جسَّد حياتنا كلها بالمثل الأعلى...فهو مثلنا الأعلى في المعاملات الاجتماعية، مع الزوجة والأولاد و الأرحام، ثم المجتمع الإسلامي، وهو مَثلنا الأعلى في الأخلاق الفاضلة، وَمثلنا الأعلى في الدعوة إلى الله تعالى والصبر عليها، فهو النور الذي نهتدي به في طريقنا )

و-(لأنه صلى الله عليه وسلم كان قدوة صالحة في حسن رعايته لأصحابه، وتَفَقُّده لهم، وسؤاله عنهم، ومراقبة أحوالهم، ومحاذرة مقصريهم، وتشجيع محسنهم، والعطف على فقرائهم ومساكينهم، وتأديب الصغار منهم، وتعليم الجهلة فيهم) بألطف وأرق الوسائل وأحكمها.

4- لماذا يجب أن نحببه إلى أطفالنا ؟

أ-لأن مرحلة الطفولة المبكرة هي أهم المراحل في بناء شخصية الإنسان، فإذا أردنا تربية نشء مسلم يحب الله ورسوله، فلنبدأ معه منذ البداية، حين يكون حريصا على إرضاء والديه، مطيعاً، سهل الانقياد.

ب-لأن الطفل (إذا استأنس بهذا الحب منذ الصغر، سهل عليه قبوله عند الكبر، فنشأة الصغير على شيء تجعله متطبِّعاً به، والعكس صحيح...فمَن أُغفل في الصغر كان تأديبه في الكبر عسيراً)

ج- لأن أطفالنا إن لم يحبوه صلى الله عليه وسلم فلن يقتدوا به مهما بذلنا معهم من جهد.

د-لأن حبهم له سوف يعود عليهم بالخير والبركة والتوفيق في شتى أمور حياتهم، وهو ما يرجوه كل أب وأم.

هـ - لأن الله تعالى قال في كتابه العزيز (( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ))[آل عمران: 31]، فمحبته صلى الله عليه وسلم تجلب حب الله في الدنيا ومغفرته في الآخرة، فأي كرامة تلك؟! وهل يتمنى الوالد لولده أفضل من ذلك؟!

و- لأن الجنة هي مستقر من أحبه؛ ومن ثم أطاعه، فقد روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: { كلكم يدخل الجنة إلا مَن أبى، قالوا: ومَن يأبى يا رسول الله؟ قال: مَن أطاعني دخل الجنة، ومَن عصاني فقد أبى } فهل يتمنى الوالد لولده بعد حب الله والمغفرة إلا الجنة؟!

ز- لأن أطفالنا هم الرعية التي استرعانا الله إياها؛ ومن ثم فإن ( الله سبحانه سوف يسأ ل الوالد عن ولده يوم القيامة قبل أن يسأل الولد عن والده - كما يؤكد الإمام بن القيم- فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه، وتركه سدى، فقد أساء غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم بسبب إهمال الآباء لهم وتركهم دون أن يعلموهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغاراً، فلم ينتفعوا بهم كباراً.

5- كيف نعلم أبناءنا حب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

أولاً: بالقدوة الصالحة

إن أول خطوة لتعليمهم ذلك الحب هو أن يحبه الوالدان أولاً، فالطفل كجهاز الرادار الذي يلتقط كل ما يدور حوله، فإن صدق الوالدان في حبهما لرسول الله، أحبه الطفل بالتبعية، ودون أي جهد أو مشقة من الوالدين، لأنه سيرى ذلك الحب في عيونهم، ونبرة صوتهم حين يتحدثون عنه، وفي صلاتهم عليه دائما - حين يرد ذكره، ودون أن يرد- وفي شوقهما لزيارته، وفي مراعاتهم لحرمة وجودهم بالمدينة المنورة حين يزورونها، وفي أتباعهم لسنته، قائلين دائم: نحن نحب ذلك لأن رسول الله كان يحبه، ونحن نفعل ذلك لأن رسول الله كان يفعله، ونحن لا نفعل ذلك لأن الرسول نهى عنه أو تركه، ونحن نفعل الطاعات إرضاءً لله سبحانه، ثم طمعاً في مرافقة ا لرسول في الجنة...وهكذا يشرب الطفل حب النبي صلى الله عليه وسلم دون أن نبذل جهداً مباشراً لتعليمه ذلك الحب!

فالقدوة هي أيسر وأقصر السبل للتأثير على الطفل، ويؤكد ذلك الشيخ محمد قطب بقوله: "إن من السهل تأليف كتاب في التربية، ومن السهل أيضاً تخيل منهج معين، ولكن هذا الكتاب وذلك المنهج يظل ما بهما حبراً على ورق، ما لم يتحول إلى حقيقة واقعة تتحرك، وما لم يتحول إلى بشر يترجم بسلوكه، وتصرفاته، ومشاعره، وأفكاره مبادئ ذلك المنهج ومعانيه، وعندئذٍ فقط يتحول إلى حقيقة"...إذ من غير المعقول أن نطالب أبناءنا بأشياء لا نستطيع نحن أن نفعلها، ومن غير الطبيعي أن نأمرهم بشيء ونفعل عكسه...وقد استنكر البارئ الأعظم ذلك في قوله تعالى: (( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ))[البقرة: 44]، وفي قوله جل شأنه: " (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ))[الصف: 2،3]

(فإذا اقتدوا بنا تحولوا - بفضل الله - من عبء علينا إلى عون لنا ).

 

6- كيف نقيس حبنا للنبي صلى الله عليه وسلم؟

ينبغي لأبنائنا - في هذه المرحلة- أن يعرفوا أن حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى برهان، فلا يكفي أن يقولوا أنهم يحبونه وإنما ينبغي أن يظهر ذلك في أفعالهم وتصرفاتهم؛ وفيما يلي بعض الأسئلة التي يمكن أن تساعدهم على قياس مدى حبهم للرسول الكريم:

1- هل تصلي عليه كثيراً؟

إن المحب لا يفتر عن ذكر حبيبه والدعاء له، وكما يقول الإمام بن القيم: (إن العبد كلما أكثر من ذكر المحبوب واستحضاره في قلبه واستحضار محاسنه الجالبة لحبه تضاعف حبه له وتزايد شوقه إليه، واستولى على جميع قلبه، وإذا أعرض عن ذكره واستحضار محاسنه بقلبه نقص حبه من قلبه).

2- هل قرأت سيرته؟

إن المحب ليشتاق إلى معرفة نشأة حبيبه، وتطورات حياته وأخباره.

3- هل عرفت هديه؟

إن المحب يكون شغوفاً لمعرفة أفكار ومعتقدات وأقوال حبيبه، ولعل هذا يتحقق بقراءة كتب الأحاديث المبسطة مثل رياض الصالحين.

4- هل تتبع سنته الواجب منها والمستحب؟

إن المحب يكون مولعاً بتقليد حبيبه، ولعل هذا يتحقق بالتعرف على سنته من خلال كتابي فقه السنة، ومنهاج المسلم.

5- هل زرت مدينته؟

إن المحب ليشتاق إلى ديار حبيبه، والمشي فوق خطواته.

6-هل تحب آل بيته الكرام وأصحابه وأتباعه رضوان الله تعالى عليهم؟

إن المحب يحب أحباب حبيبه.

7- هل تحدثت عنه مع غيرك ممن لا يعرفون عنه شيئا؟

إن المحب يود دائما ًلو ظل يتحدث عن حبيبه مع كل الناس.

8- هل ترضى بحكمه فيما شجر بينك وبين غيرك من خلافات؟

إن المحب ليرضى بحكم حبيبه في شتى الأحوال، فما بالك إذا كان الحبيب هو محمد صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى؟!

فإذا كانت إجاباتهم كلها ب"نعم"، فهم يحبونه بالفعل، أما إن كانت الإجابة على بعض الأسئلة بـ(لا) فهم محتاجون إلى أن يراجعوا أنفسهم، وإعادة النظر في طريقة حبهم له صلى الله عليه وسلم.

وإذا كانت إجاباتهم كلها بـ(نعم) وشعروا برغبة شديدة في رؤيته صلى الله عليه وسلم في الدنيا، فيمكن أن نروي لهم هذه القصة اللطيفة؛ مع توضيح أن رؤيته- بشكل عام- فضلٌ من الله، وعطيَّة يهبها لمن يشاء من عباده المؤمنين:

( جاء تلميذ إلى أستاذه وقال: علمت أنك ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم في رؤياك، فقال الأستاذ: فماذا تريد يا بني؟ قال: علِّمني كيف أراه، فإني في شوق إلى رؤياه، فقال له: فأنت مدعو لتناول العشاء معي هذه الليلة لأعلمك كيف تراه صلى الله عليه وسلم".

وذهب التلميذ لأستاذه الذي أكثر له من الملح في الطعام، ومنع عنه الماء، فطلب التلميذ الماء، فمنعه الأستاذ، بل أصر على أن يزيده من الطعام، ثم قال له: نَم وإذا استيقظت قبل الفجر فسأعلمك كيف ترى النبي صلى الله عليه وسلم، فبات التلميذ يتلوى من شدة العطش والظمأ، فقال له أستاذه حين استيقظ: أي بني قبل أن أعلمك كيف تراه أسألك: هل رأيت الليلة شيئا؟ قال: نعم، قال له: ما رأيت؟ فقال: رأيت الأمطار تمطر، والأنهار تجري والبحار تسير. فقال الأستاذ: صدقت نيتك فصدقت رؤيتك، ولو صدقت محبتك لرأيت رسول الله!!! )

ومن الأمور بالغة الأهمية أن نوضح لهم الفرق بين أن نحبه صلى الله عليه وسلم وبين أن نغالي ونتعدى الحد، فمن أراد أن يُرضي الله بحب النبي صلى الله عليه وسلم فعليه أن يحبه كما أراد الله ورسوله، وليس كما يوافق هواه !!!

(ومن منطلق أن حبه صلى الله عليه وسلم عبادة، فإن العبادة يجب أن تكون خالصة لوجه الله تعالى، كما يجب أن تكون على طريقة رسول الله، وإذا خرجت عن هذين الشرطين، صارت بدعة، ومن ثم فهي مردودة على صاحبها، فقد قال تعالى ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا ))[المائدة: 3]، فقد تم الدين ولم يترك شيئاً لم يتحدث عنه، وما ارتضاه الله تعالى لنا لا ينبغي أن نغيره، فقد كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أشد حباً له، ولكنهم لم يكونوا يفعلون محرماً من أجله صلى الله عليه وسلم؛ فكانوا لا يقومون إليه حين يأتيهم، كما يقوم الأعاجم الكفار لملوكهم؛ وكانوا لا يبالغون في إطراءه حين نهاهم عن ذلك قائل: { لا تُطْروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، فإنما أنا عبدٌ لله، قولوا: عبد الله ورسوله} .

وحين جاءه صلى الله عليه وسلم رجل فراجعه في بعض الكلام، فقال: { ما شاء الله وشئت، فقال له: أجعلتَني مع الله نداً؟ بل قل: ما شاء الله } .

فلا ينبغي أن نُغضب الله سواء بالمغالاة في مدحه صلى الله عليه وسلم بان نرفعه فوق قدره، أو بمجافاته صلى الله عليه وسلم بالعقل أو القلب... ولكن علينا بالوسطية، وهي التزام السنة، ومن ثم فعلينا أن نعلم أطفالنا مثلاً أنه لا يجوز الاستغاثة برسول الله صلى الله عليه وسلم، أو الاستجارة به بعد وفاته، لأنه لا يملك لنا شيئا، كما لا ينبغي أن نفعل كما يفعل البعض عند قبره الشريف من رفع الصوت لأن الله تعالى يقول: ((لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ))[الحجرات: 2] . ولا ينبغي أن ندعو أمام قبره ونحن ننظر إلى القبر، والصحيح أن ندعو ونحن متوجهون للقبلة، أما المباح من القول ونحن ننظر للقبر، فالسلام عليه والإكثار من الصلاة عليه.

كما ينبغي أن نتحدث معه عن بعض الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة التي شاعت بين الناس، مثل { من حج ولم يزرني فقد جفاني} و {من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي } و{ رأيت ليلة أُسري بي مكتوباً على ساق العرش لا إله إلا الله محمد رسول الله...} .

وختاماً، فما هذه العجالة-التي أرجو أن ينفع الله تعالى بها- إلا نقطة بداية يمكن أن ينطلق منها الوالدان والمربون ليعينوا أبناءهم على محبته صلى الله عليه وسلم بعد التأكد من صحة ما يقولون- كما يمكن اتباع نفس الطريقة لغرس محبة صحابة رسول الله رضوان الله عليهم في قلوب أطفالنا؛ وبالله التوفيق، وعليه التُكْلان، والحمد لله رب العالمين.