محمد فريد

 

لقد ترك لنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم قبل لحوقه بالرفيق الأعلى عز وجل تراثين ، أو نوعين من الآثار:
ا
لأول: الآثار الشرعية: وهو أهمهما ، وهو شريعته المطهرة من الكتاب والسنة.
ث
انيهما: الآثار الحسية: وهي مجموعة من المتعلقات الحسية به صلى الله عليه وسلم.
ألا وقد أجمعت الأمة على بركة التراثين كليهما، مع التوكيد على أهم قضية، ألا وهي أن الله ما كتب الخلود إلا للآثار الشرعية فحسب، ولم يتعبدنا بغيرها ألبتة.
أما آثارُه الحسية صلى الله عليه وسلم فهي فانية فناء جسده صلى الله عليه وسلم.
والتبرُّك بالنبي صلى الله عليه وسلم من حيث النوع؛ ينقسم لنوعين:
المعنويّ: أي التبرك بالتزام شرعه، وسنته، وهديه صلى الله عليه وسلم. وهو ما أمرنا الله به، ويرضى به عنا، وهو خالد ليوم الدين.
ا
لحِسيّ: أي بآثاره كالثياب، والنعلين، وفضل الوضوء، والريق، والعَرَق .... وهو محل بحثنا هذا.
والتبرُّك من حيث الحكم نوعان:
المشروع: وهو ما ثبت بالكتاب والسنة.
ا
لممنوع: وهو ما لم يأتِ به دليل، وقد يكون بدعيًا، وقد يكون شركيًا عياذًا بالله.
والتبرك: هو طلب الخير، وزيادته في أمور الدين، أو الدنيا من خلال الاعتقاد في أمر حسي، أو معنوي.
فالاعتقاد المعنوي: كأنْ يتبرك بالصدقة ، والصلاة، والصيام ، ويرجو بها خيرًا في دينه بالعتق من النار، ويرجو بها خيرًا في دنياه كالشفاء من الأمراض.
والاعتقاد الحسي: كأن يتبرك بثوب النبي صلى الله عليه وسلم فيطلب دفنه معه في قبره لينفعه في دينه. أو يشرب عَرَقِ النبي صلى الله عليه وسلم طلبًا لخيرٍ في دنياه كالشفاء مثلا.
والتبرك بآثاره الجسدية ثابتٌ في السنة الصحيحة بما لا يدع أدنى ذرة ريب، ونضرب بعضًا من الأمثلة على ذلك.
فأنواع التبرك بآثاره الحسية صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كثيرة، منها:
- التبرك بمسح يده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
منها ما قَالَه أَبو جُحَيْفَةَ : (خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالهَاجِرَةِ إِلَى البَطْحَاءِ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَالعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ» قَالَ شُعْبَةُ وَزَادَ فِيهِ عَوْنٌ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: «كَانَ يَمُرُّ مِنْ وَرَائِهَا المَرْأَةُ، وَقَامَ النَّاسُ فَجَعَلُوا يَأْخُذُونَ يَدَيْهِ فَيَمْسَحُونَ بِهَا وُجُوهَهُمْ، قَالَ فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَوَضَعْتُهَا عَلَى وَجْهِي فَإِذَا هِيَ أَبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ وَأَطْيَبُ رَائِحَةً مِنَ المِسْكِ)(1).
- التبرك بماء وضوئه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
كما قَالَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ: (ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ «فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ)(2).
- التبرك بثيابه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
عن أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ؛ أنها قالت: (هَذِهِ جُبَّةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جُبَّةَ طَيَالِسَةٍ كِسْرَوَانِيَّةٍ لَهَا لِبْنَةُ دِيبَاجٍ، وَفَرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ بِالدِّيبَاجِ.
فَقَالَتْ: هَذِهِ كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ حَتَّى قُبِضَتْ، فَلَمَّا قُبِضَتْ قَبَضْتُهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُهَا، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى يُسْتَشْفَى بِهَا)(3).
- التبرك بشعره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
كما جاء عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى مِنًى، فَأَتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا، ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنًى وَنَحَرَ، ثُمَّ قَالَ لِلْحَلَّاقِ: خُذْ وَأَشَارَ إِلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ الْأَيْسَرِ، فَوَزَّعَهُ الشَّعَرَةَ وَالشَّعَرَتَيْنِ بَيْنَ النَّاسِ»(4).
- التبرُّك بأظفاره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
كما جاء عن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: (أَنَّ أَبَاهُ شَهِدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الْمَنْحَرِ هُوَ وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَحَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ فَأَعْطَاهُ، فَقَسَمَ مِنْهُ عَلَى رِجَالٍ، وَقَلَّمَ أَظْفَارَهُ، فَأَعْطَاهُ صَاحِبَهُ قَالَ: فَإِنَّهُ عِنْدَنَا مَخْضُوبٌ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ أَوْ بِالْكَتَمِ وَالْحِنَّاءِ) (5).
- التبرك بعرقه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
كما جاء عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: ( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُ بَيْتَ أُمِّ سُلَيْمٍ فَيَنَامُ عَلَى فِرَاشِهَا، وَلَيْسَتْ فِيهِ، قَالَ: فَجَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ فَنَامَ عَلَى فِرَاشِهَا، فَأُتِيَتْ فَقِيلَ لَهَا: هَذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَامَ فِي بَيْتِكِ، عَلَى فِرَاشِكِ، قَالَ فَجَاءَتْ وَقَدْ عَرِقَ، وَاسْتَنْقَعَ عَرَقُهُ عَلَى قِطْعَةِ أَدِيمٍ، عَلَى الْفِرَاشِ، فَفَتَحَتْ عَتِيدَتَهَا فَجَعَلَتْ تُنَشِّفُ ذَلِكَ الْعَرَقَ فَتَعْصِرُهُ فِي قَوَارِيرِهَا، فَفَزِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «مَا تَصْنَعِينَ؟ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ» فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ نَرْجُو بَرَكَتَهُ لِصِبْيَانِنَا، قَالَ: «أَصَبْتِ»(6).
- التبرك بنخامته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
كما جاء في صلح الحديبية: ((...ثُمَّ إِنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَيْنَيْهِ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ،...))(7).
- التبرك بنعليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
كما جاء عِيسَى بْنُ طَهْمَانَ ؛ قَالَ: (أَخْرَجَ إِلَيْنَا أَنَسٌ «نَعْلَيْنِ جَرْدَاوَيْنِ لَهُمَا قِبَالاَنِ» ، فَحَدَّثَنِي ثَابِتٌ البُنَانِيُّ بَعْدُ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُمَا «نَعْلاَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)(8).
- التَّبَرُّكُ بِالْمَوَاضِعِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
كما جاء عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ؛ أنه قَالَ: (أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَقلت: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي، وَإِذَا كَانَتِ الْأَمْطَارُ سَالَ الْوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ وَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنَّ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ لَهُمْ، وَدِدْتُ أَنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ تَأْتِي فَتُصَلِّي فِي مُصَلًّى، فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللهُ...)(9).
قال ابنُ حجر: "وَفِيهِ التَّبَرُّكُ بِالْمَوَاضِعِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ وَطِئَهَا)(10).
- التبرك بموضعِ يدِهِ في طعامه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:
قَالَ أبو أيوب : "وَكُنَّا نَصْنَعُ لَهُ الْعَشَاءَ، ثُمَّ نَبْعَثُ بِهِ إلَيْهِ، فَإِذَا رَدَّ عَلَيْنَا فَضْلَهُ تَيَمَّمْتُ أَنَا وَأُمُّ أَيُّوبَ مَوْضِعَ يَدِهِ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ نَبْتَغِي بِذَلِكَ الْبَرَكَةَ، حَتَّى بَعَثْنَا إلَيْهِ لَيْلَةً بِعَشَائِهِ وَقَدْ جَعَلْنَا لَهُ بَصَلًا أَوْ ثُومًا، فَرَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ أَرَ لِيَدِهِ فِيهِ أَثَرًا. قَالَ: فَجِئْتُهُ فَزِعًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، رَدَدْتَ عَشَاءَكَ، وَلَمْ أَرَ فِيهِ مَوْضِعَ يَدِكَ، وَكُنْتَ إذَا رَدَدْتُهُ عَلَيْنَا، تَيَمَّمْتُ أَنَا وَأُمُّ أَيُّوبَ مَوْضِعَ يَدِكَ، نَبْتَغِي بِذَلِكَ الْبَرَكَة..."(11).
- التبرُّك بمن لامَسَ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
قال أَبو جُحَيْفَةَ : "خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالهَاجِرَةِ، فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ فَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ، فَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَالعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ»(12).
وقال عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَزِينٍ قَالَ: (مَرَرْنَا بِالرَّبَذَةِ، فَقِيلَ لَنَا: هَا هُنَا سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ، فَأَتَيْنَاهُ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَأَخْرَجَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: بايعتُ بِهَاتَيْنِ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَخْرَجَ كَفًّا لَهُ ضَخْمَةً كَأَنَّهَا كَفُّ بَعِيرٍ، فقمنا إليها فقبلناها)(13).
- التبرك بمشاركة من دعا له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
كما جاء عَنْ أَبِي عُقَيْلٍ : (أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ بِهِ جَدُّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هِشَامٍ مِنَ السُّوقِ - أَوْ: إِلَى السُّوقِ - فَيَشْتَرِي الطَّعَامَ، فَيَلْقَاهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَابْنُ عُمَرَ، فَيَقُولاَنِ: «أَشْرِكْنَا، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ دَعَا لَكَ بِالْبَرَكَةِ» فَيُشْرِكُهُمْ، فَرُبَّمَا أَصَابَ الرَّاحِلَةَ كَمَا هِيَ، فَيَبْعَثُ بِهَا إِلَى المَنْزِلِ)(14).
وهناك عدة قضايا غاية في الأهمية يجب دراستها عند هذا المبحث، نذكر أهمها:
ا
لقضية الأولى: هذا التبرك باقٍ بعد موته صلى الله عليه وسلم:
كما جاءت بذلك العديدُ من الآثار الصحيحة ، منها:
ما جاء عن أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ؛ أنها قالت: (هَذِهِ جُبَّةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جُبَّةَ طَيَالِسَةٍ كِسْرَوَانِيَّةٍ لَهَا لِبْنَةُ دِيبَاجٍ، وَفَرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ بِالدِّيبَاجِ.
فَقَالَتْ: هَذِهِ كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ حَتَّى قُبِضَتْ، فَلَمَّا قُبِضَتْ قَبَضْتُهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُهَا، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى يُسْتَشْفَى بِهَا) (15).
وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: (قُلْتُ لِعَبِيدَةَ «عِنْدَنَا مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَبْنَاهُ مِنْ قِبَلِ أَنَسٍ أَوْ مِنْ قِبَلِ أَهْلِ أَنَسٍ» فَقَالَ: لَأَنْ تَكُونَ عِنْدِي شَعَرَةٌ مِنْهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا)(16).
القضية الثانية: إقرارُه صلى الله عليه وسلم بالتبرك بآثاره الحسية، والجسدية:
كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة، ومنها:
ما جاء عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى مِنًى، فَأَتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا، ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنًى وَنَحَرَ، ثُمَّ قَالَ لِلْحَلَّاقِ: خُذْ وَأَشَارَ إِلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ الْأَيْسَرِ، فَوَزَّعَهُ الشَّعَرَةَ وَالشَّعَرَتَيْنِ بَيْنَ النَّاسِ»(17).
القضية الثالثة: التبرك بالآثار الحِسيّة من خصوصية النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
وقد تواترتِ الأدلةُ على ذلك، فلا يجوز التبرك بأحد ممن يُعتقد فيه الصلاح من خلال الاستشفاء بعرقه، أو ثوبه، أو نعله، أو غير ذلك. وذلك أن الصحابة رضي الله عنهم عاصروا خير الأمة ، وعلى رأسهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والمبشرون بالجنة، ولم يفعلوا معهم شيئًا من ذلك البتة(18).
القضية الرابعة: فقدان الآثار الحسية للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
كما ورد في الآثار والتاريخ بصورٍ شتى؛ فمن هذه الصور:
- دفن هذه الآثار مع مقتنيها عملا بوصيته:
كما جاء عَنْ سَهْلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ، فِيهَا حَاشِيَتُهَا» ، أَتَدْرُونَ مَا البُرْدَةُ؟ قَالُوا: الشَّمْلَةُ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: نَسَجْتُهَا بِيَدِي فَجِئْتُ لِأَكْسُوَكَهَا، «فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ»، فَحَسَّنَهَا فُلاَنٌ، فَقَالَ: اكْسُنِيهَا، مَا أَحْسَنَهَا، قَالَ القَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ، لَبِسَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتَهُ، وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لاَ يَرُدُّ، قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ، مَا سَأَلْتُهُ لِأَلْبَسَهُ، إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي، قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ)(19).
- أو بالنسيان لها: كما جاء عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: (انْطَلَقْتُ حَاجًّا، فَمَرَرْتُ بِقَوْمٍ يُصَلُّونَ، قُلْتُ: مَا هَذَا المَسْجِدُ؟ قَالُوا: هَذِهِ الشَّجَرَةُ، حَيْثُ بَايَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، فَأَتَيْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبِ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ سَعِيدٌ، حَدَّثَنِي أَبِي " أَنَّهُ كَانَ فِيمَنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنَ العَامِ المُقْبِلِ نَسِينَاهَا، فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهَا "، فَقَالَ سَعِيدٌ: «إِنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْلَمُوهَا وَعَلِمْتُمُوهَا أَنْتُمْ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ)(20).
- أو بفقدها: كما جاء عَنِ ابْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: (اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، وَكَانَ فِي يَدِهِ، ثُمَّ كَانَ بَعْدُ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ كَانَ بَعْدُ فِي يَدِ عُمَرَ، ثُمَّ كَانَ بَعْدُ فِي يَدِ عُثْمَانَ، حَتَّى وَقَعَ بَعْدُ فِي بِئْرِ أَرِيسَ، نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ)(21).
وقال السيوطي في بُردته صلى الله عليه وسلم: "وقد كانت هذه البردة عند الخلفاء يتوارثونها ويطرحونها على أكتافهم في المواكب جلوسًا وركبوا، وكانت على المقتدر حين قتل، وتلوثت بالدم، وأظن أنها فُقدت في فتنة التتار فإنا لله وإنا إليه راجعون"(22).
القضية الخامسة: الرد على شبهة الإطراء:
كما جاء عَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ قال: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لاَ تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ) (23).
لم يُعْرَف أحدٌ من البشر بما عُرف به نبينا صلى الله عليه وسلم من التواضع حتى كره المدح والثناء، ونهى الصحابة عنهما؛ بل وكره مجرد أن يقوموا له إذا رأوه صلى الله عليه وسلم كما في الحديث عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: (لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانُوا إِذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهِيَتِهِ لِذَلِكَ) (24).
فكيف يَكرَهُ مجرد القيام له صلى الله عليه وسلم، ثم يأذن بالتبرك، وهو أعلى في الإكرام بدرجات جليلة؟!.
الإجابة: إن المدح، والقيام أمرانِ خاليانِ من الفائدة، ولكنه صلى الله عليه وسلم كان له أهداف شرعية من وراء إذنه للصحابة بهذا التبرك به صلى الله عليه وسلم. فقد يكون التبرك بقصد تحقيق هدف دنيوي، أو أخروي للمسلمين.
القضية السادسة: البركة ليست خاصة بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ بل بكل الأنبياء:
وذلك كما في قول عيسى بن مريم: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم: 31].
وكما جاء في شأن النبي دانيال: "...فعندما فتح أَبُو موسى السوس وجد في قلعتهم بيتًا وعليه ستر فسأل عنه فقيل أن فيه جثة دانيال النَّبِيّ عَلَيْهِ السلام وعلى أنبياء اللَّه ورسله، فأنهم كانوا أقحطوا فسألوا أهل بابل دفعه إليهم ليستسقوا به ففعلوا، وكان بختنصر سبى دانيال وأتى به بابل فقبض بها، فكتب أَبُو موسى بذلك إِلَى عُمَر فكتب إليه عُمَر أن كفنه وأدفنه فسكر أبو موسى نهرا حق إذا انقطع دفنه ثُمَّ أجرى الماء عَلَيْهِ. ..."(25).
ونرى أن عمر أخفى قبره خوفًا أن يؤدي ذلك إلى الشرك عياذًا بالله.
القضية السابعة: شرط الانتفاع ببركته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الإيمان به:
فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: ((أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ لَمَّا تُوُفِّيَ، جَاءَ ابْنُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ، وَصَلِّ عَلَيْهِ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَمِيصَهُ، فَقَالَ: «آذِنِّي أُصَلِّي عَلَيْهِ»، فَآذَنَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: أَلَيْسَ اللَّهُ نَهَاكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى المُنَافِقِينَ؟ فَقَالَ: " أَنَا بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ، قَالَ: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً، فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} " فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا، وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ}))(26).
فقد استغفر النبي صلى الله عليه وسلم لابن سلول، وألبسه قميصه ،ولكن الله عز وجل أخبره أن ذلك ليس بنافعه لما أبطنه في قلبه من الجحود عياذًا بالله.
القضية الثامنة: عدم مشروعية التبرك بمسح قبره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
ونذكر بعض أقوال أهل العلم في ذلك:
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ الزَّعْفَرَانِيُّ: "وَكَانَ مِنْ الْفُقَهَاءِ الْمُحَقِّقِينَ فِي كِتَابِهِ فِي الْجَنَائِزِ وَلَا يَسْتَلِمُ الْقَبْرَ بِيَدِهِ وَلَا يُقَبِّلُهُ.
قَالَ: "وَعَلَى هَذَا مَضَتْ السُّنَّةُ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ وَاسْتِلَامُ الْقُبُورِ وَتَقْبِيلُهَا الَّذِي يَفْعَلُهُ الْعَوَامُّ الْآنَ مِنْ الْمُبْتَدَعَاتِ الْمُنْكَرَةِ شَرْعًا يَنْبَغِي تَجَنُّبُ فِعْلِهِ وَيُنْهَى فَاعِلُهُ قَالَ فَمَنْ قَصَدَ السَّلَامَ عَلَى مَيِّتٍ سَلَّمَ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ وَإِذَا أَرَادَ الدُّعَاءَ تَحَوَّلَ عَنْ مَوْضِعِهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ"(27).
قال الفوزان: "...أما أن يُتبرّك بحجرته أو بقبره، فهذا لا يجوز، لأن هذا ليس منفصلاً عن جسد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وسوف يأتينا باب خاص بمن تبرّك بشجرة أو حجر أو نحوها"(28).
"وكرهت الأئمة استلام القبر وتقبيله، ومنعوا الناس أن يصلوا إليه"(29).
"يدنو ويسلم ولا يمس القبر بيده"(30).
القضية التاسعة: النهيُ عن تتبُّع آثار الأنبياء حفاظًا على جناب التوحيد:
فعَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: "كُنْتُ مَعَ عُمَرَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَصَلَّى بِنَا الْفَجْرَ، فَقَرَأَ: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ، وَلِئِيلَافِ قُرَيْشٍ، ثُمَّ رَأَى أَقْوَامًا يَنْزِلُونَ فِيُصَلُّونَ فِي مَسْجِدٍ، فَسَأَلَ عَنْهُمْ فَقَالُوا: مَسْجِدٌ صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمُ اتَّخَذُوا آثَارَ أَنْبِيَائِهِمْ بِيَعًا، مَنْ مَرَّ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَسَاجِدِ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وِإِلَّا فَلْيَمْضِ»(31).
وقال الطحاوي: "فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَا قَدْ وَقَفْنَا بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَسَاجِدَ الَّتِي صَلَّى فِيهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لَمْ يَجِبْ عَلَى أُمَّتِهِ إِتْيَانُهَا، وَلَا الصَّلَاةُ فِيهَا لِإِتْيَانِ رَسُولِ اللهِ إِيَّاهَا وَلِصَلَاتِهِ فِيهَا فَمِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا صَلَاتُهُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَا فِي أَحَادِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ لَا يَجِبُ بِهِ إِتْيَانُ النَّاسِ هُنَاكَ، وَلَا الصَّلَاةُ فِيهِ، وَأَبَيْنُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا مَسْجِدَ أَجَلُّ مِقْدَارًا، وَلَا أَكْثَرُ ثَوَابًا مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ بَعْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَى النَّاسِ إِتْيَانُهُ وَلَا الصَّلَاةُ فِيهِ، كَمَا كُتِبَ عَلَيْهِمْ مَا كُتِبَ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ"(32).
القضية العاشرة: الحرص والتوكيد والحفاظ على جناب التوحيد، وذلك بالتذكير بأن البركة من الله وحده لا شريك له لا منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
فكان صلى الله عليه وسلم أحرص الخلق على التوكيد بأن البركة التي حدثت منه ليس من ذاته هو صلى الله عليه وسلم؛ بل بين ، وأكد أنه لا يقدر من ذلك على شيء ألبتة، وأن البركة المتحققه له هي من الله وحده لا شريك له. وإنما حدثت بسبب نبوته ، وببركة رسالته صلى الله عليه وسلم ، وذلك كما جاء عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود، قَالَ: (( كُنَّا نَعُدُّ الآيَاتِ بَرَكَةً، وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفًا، كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَقَلَّ المَاءُ، فَقَالَ: «اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ» فَجَاءُوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، ثُمَّ قَالَ: «حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ المُبَارَكِ، وَالبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ» فَلَقَدْ رَأَيْتُ المَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ))(33).
فمَنِ اعتقدَ أن البركة من النبي صلى الله عليه وسلم ، أو غيره؛ فقد أشرك عياذًا بالله. وإنما الاعتقاد الصحيح أنها من الله وحده لا شريك له.
القضية الحادية عشرة: اتباع الآثار الشرعية أولى من اتباع الآثار الحسية:
ومن الغريبِ حقًا، ومن العجيب صدقًا أن يكون الناس أكثر بحثًا عن الآثار الحسية المعدومة من حرصهم على التمسك بالآثار الشرعية الموفورة.
هذا وقد قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِي}. [آل عمران: 31].
فمَنْ أحبَّ النبي صلى الله عليه وسلم فلا يبحث له عن نعل يقبله؛ أو كأسًا يشرب فيه.
وأَوْلى بالمحب الصادق أن يتعلم أوامره صلى الله عليه وسلم؛ فينفذها، وأن يتعلم نواهيه فيجتنبها، وأن يتعلم هديه، وسمته ، ودلَّه فيتبعه حق الاتباع، فبذلك يثبت صدق محبته له صلى الله عليه وسلم، كما يستوجب بذلك محبة الحق سبحانه وتعالى.
ولكن قومًا ثقلت عليهم الآثار الشرعية، واستسهلوا دِينًا يكون قاصرًا على التقبيل والتمسُّح، بلا تشريع ، ولا أمر ، ولا نهي.
فياله من دِين!!!، ويالها من محبة!!!.
نعوذ بالله أن نكون منهم، اللهم اهدنا برحمتك سواءَ السبيل.

========================

(1) رواه البخاري (3553).
(2) رواه البخاري (190) ، ومسلم (2345).
(3) رواه مسلم (2092).
(4) رواه ومسلم (1305).
(5) رواه الإمام أحمد (16474)، وقال شعيب : صحيح الإسناد.
(6) رواه مسلم (2331).
(7) رواه البخاري (2731).
(8) رواه البخاري (3107).
(9) رواه البخاري (425) ، ومسلم (263).
(10) فتح الباري لابن حجر (1/522).
(11) سيرة ابن هشام (1/499).
(12) رواه البخاري (187) ، ومسلم (503).
(13) رواه البخاري في الأدب المفرد (973)، وقال الألباني: حسن الإسناد.
(14) رواه البخاري (6353).
(15) رواه ومسلم (2092).
(16) رواه البخاري (170).
(17) رواه ومسلم (1305).
(18) راجع في ذلك الاعتصام للشاطبي (1/482،483)/ الحكم الجديرة بالإذاعة (ص: 46).
(19) رواه البخاري (1277).
(20) رواه البخاري : (4163).
(21) رواه البخاري (5873) ، ومسلم (2091).
(22) تاريخ الخلفاء (ص: 21).
(23) رواه البخاري (3445).
(24) رواه الترمذي (2754)، وقال الألباني: صحيح.
(25) فتوح البلدان (ص: 367 : 368).
(26) رواه البخاري (1269) ، ومسلم (2400).
(27) المجموع شرح المهذب (5/311).
(28) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (1/115).
(29) المنهج القويم في اختصار اقتضاء الصراط المستقيم (ص: 181).
(30) صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان (ص: 253).
(31) رواه عبد الرزاق بمصنفه (2734)، وابن أبي شيبة بمصنفه (7550)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (12/544)، وابن وضاح في البدع (100)، وقال الألباني: صحيح.
(32) شرح مشكل الآثار (12/544).
(33) رواه البخاري (3579).