محمد جمعة

 

الحمد لله رب العالمين شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطا مستقيما، وأسبع علينا نعمه ظاهرة وباطنة، هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، والصلاة والسلام على محمد الأمين، وآل بيته الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد.
فمن نعم الله على المسلمين، أن أتم عليهم نعمته، وأكمل لهم دينهم ورضي لهم الإسلام دينا، وبين لهم حكم ما يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم، ولم يفرط بيان شيء مما يحتاجه المسلم، وأمره أن يتبع النبي صلى الله عليه وسلم الذي أدى الأمانة وبلغ الرسالة وبين للناس كل ما يحتاجون إليه في الكتاب والسنة؛ ففيهما العقيدة، والأخلاق، والعبادات، والمعاملات، وكل ما يحتاج إليه المسلم.
وفي كنف هذه الشريعة نشأ المجتمع الإسلامي الأول نشأة طبيعية متكاملة غير متكلفة، جمعت بين بقايا من الفطرة السليمة والوحي المنزل من عند الله سبحانه وتعالى، فلا ريب أن الله اختار لنبيه أفضل الأجيال، فقد كانوا {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح: 29]، وعندما يبدر من أحدهم تصرف يخالف هذا المنهج كان يصحح لهم الطريق ويعود بهم إلى الجادة المستقيمة، وعندما همّ ثلاثة من الصحابة بترك الدنيا من نساء وأموال بادر رسول الله صلى الله عليه وسلم بردهم إلى الطريق الوسط قائلًا لهم: (أما أنا فأصوم وأفطر وأصلي وأنام وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)(1).
فالتوسط هو الأصل (وإذا نظرت في عمومات الشريعة، فتأملها تجدها حاملة على الوسط، فطرف التشديد يؤتي به في المقابلة من غلب عليه الانحلال، وطرف التخفيف في مقابلة من غلب عليه الحرج الشديد فإذا لم يكن هذا ولا ذاك رأيت التوسط لائحًا وهو الأصل الذي يرجع إليه "(2).
كان الصحابة رضوان الله عليهم فيهم الفقير والغني، وفيهم التاجر والمزارع والعامل وكان بعضهم يتناوب الحضور للتعلم من النبي صلى الله عليه وسلم ويبلغه للآخرين كما كان يفعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
ثم بعد أن فتحت الفتوحات وكثر المال فكان ذلك من أسباب ظهور طبقة العباد والزهاد في القرن الثاني الهجري في مواجهة إقبال الناس على الدنيا يجمعون منها ويتفاخرون(3).
ثم حدثت مرحلة انتقالية بين هذا الزهد المشروع وبين التصوف حين أصبح له تآليف خاصة، وأوضح من يمثل لهذه النقلة مالك دينار؛ فنراه يدعو إلى أمور ليست عند الزهاد السابقين، منها التجرد أي ترك الزواج، وهو نفسه امتنع عن الزواج وكان يقول: (لا يبلغ الرجل منزلة الصديقين حتى يترك زوجته كأنها أرملة ويأوي إلى مزابل الكلاب)(4).
وقد كان زهاد السلف وعبادهم أصحاب خوف وخشوع وتعبد وقنوع لا يدخلون في الدنيا وشهواتها ولا في عبارات أحدثها المتأخرون من الفناء والاتحاد(5).
ثم خلف من بعدهم خلف يوجد في بعضهم التعبد والتأله والوجد والمحبة والزهد والفقر والتواضع ولين الجانب والملاطفة في المخاطبة والمعاشرة والكشف والتصرف ونحو ذلك ما يوجد ـ فيوجد أيضًا في بعضهم من الشرك وغيره من أنواع الكفر ومن الغلو والبدع في الإسلام والإعراض عن كثير مما جاء به الرسول والاستخفاف بشريعة الإسلام والكذب والتلبيس والصد عن سبيل الله الكثير.
يقول ابن تيمية: (في أواخر عصر التابعين حدث ثلاثة أشياء: الرأي، والكلام، والتصوف، فكان جمهور الرأي في الكوفة، وكان جمهور الكلام والتصوف في البصرة، فإنه بعد موت الحسن وابن سيرين ظهر عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وظهر أحمد بن علي الهجيمي، وبنى دويرة للصوفية وهي أول ما بني في الإسلام أي دار خاصة للالتقاء على ذكر أو سماع وصار لهم من التعبد المحدث طريق يتمسكون به، مع تمسكهم بغالب التعبد المشروع، وصار لهم حال من السماع والصوت، وكان أهل المدينة أقرب من هؤلاء في القول والعمل، وأما الشاميون فكان غالبهم مجاهدين)(6).
كما لخص هذا التطور الإمام ابن الجوزي فقال: (في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم كانت كلمة مؤمن ومسلم، ثم نشأت كلمة زاهد وعابد، ثم نشأ أقوام وتعلقوا بالزهد والتعبد واتخذوا في ذلك طريقة تفردوا بها، هكذا كان أوائل القوم ولبَّس عليهم إبليس أشياء ثم على من بعدهم إلى أن تمكن من المتأخرين غاية التمكن)(7).
تطورت الصوفية حتى وصلت إلى الغلو، من البدع العملية إلى البدع القولية الاعتقادية، بعد أن دخلت عليها عناصر خارجية.
وقد كان أهل التصوف في مراحله الأولى يعظمون اتباع الكتاب والسنة وينهون عن البدع؛ قال أبو القاسم النصراباذي: أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة ـ وترك البدع والأهواء، وتعظيم حرمات المشايخ، ورؤية أعذار الخلق. والمداومة على الأوراد، وترك ارتكاب الرخص والتأويلات(8).
ثم ظهرت البدع والأهواء والشطحات في المتأخرين، فكثيرًا ما ترى المتأخرين ممن يتشبه بهم، يرتكب من الأعمال ما أجمع المسلمون على فساده شرعًا بل أجمع الناس على فساده عقلا.
ثم تطور الأمر شيئا فشيئا فظهرت الأوراد الخاصة بكل طريقة وراحوا يعظمون ما يتلقونه عن مشايخهم أكثر مما يعظمون الأذكار الشرعية المتلقاة عن الكتاب والسنة.
ويقسم الكاشانى الذكر عند الصوفية على أنواع منها(9):
1- ذكر العامة: وهو ما يتقرب به عامة أهل الإيمان، من ذكر الله تعالى إما بكلمة الشهادة، وهى كلمة لا إله إلا الله، وإما غيرها من التسبيحات والأدعية والأذكار.
2- ذكر الخصوص: وهو الذكر الذى يكون من تلقين الشيخ المرشد لذكر معين...).
وبهذه الطريقة ـ طريقة تلقين الشيخ ـ الذي يتلقى بزعمه عن رب العزة ظهرت هذه الأوراد التي يلتزمها الصوفية عن رءوسهم ويدأبون عليها ليلهم ونهارهم.
يقول ابن عقيل محذرًا من الصوفية والمتكلمين: (ما على الشريعة أضر من المتكلمين والمتصوفين، فهؤلاء المتكلمون يفسدون عقائد الناس بتوهمات شبهات العقول، وهؤلاء المتصوفة يفسدون الأعمال ويهدمون قوانين الأديان. فالذي يقول: حدثني قلبي عن ربي فقد استغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد خبرت طريقة الفريقين فغاية هؤلاء المتكلمين الشك، وغاية هؤلاء المتصوفة الشطح)(10).
نماذج من أوراد القوم:
الورد الصوفي ما يلقنه الشيخ لمريديه فيأتون به صباحا ومساء، ولهم في ذلك نماذج كثيرة متعددة ولكل مشيخة أذكارها وصلواتها، ومنها ما هو إجباري، وغالبا ما تشترط له الطهارة المائية، ومنها ما هو اختياري ولبعضها طقوس منها لزوم الإذن من الشيخ، ومنها أن تقرأ على بساط يكفي لستة لأن النبي صلى الله عليه وسلم يحضرها والخلفاء الأربعة(11)!
ومصدر تلقي الأوراد عند الصوفية إما أن يكون عن الله مباشرة ـ تعالى الله عما يفترون ـ وإما أن يكون بالتلقي من رسول الله يقظة أو مناما، وإما عن الخضر حيث يزعمون أنهم يلتقون به ولن نطيل بذكر النماذج فيكفي نموذج أو أكثر لنبين مدى ارتباط القوم بشريعة الإسلام، ومدى اتباعهم لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فدراسة الأوراد وتقصي أنواعها وما فيها من مخالفات لدين الإسلام يقصر عنها هذا المقال.
فمن الأذكار التي لا يكاد يخلو منها ورد من أوراد الصوفية: صلاة الفاتح(12): قال في جواهر المعاني: إن المرة الواحدة من صلاة الفاتح تعدل كل تسبيح وقع في الكون، وكل ذكر، وكل دعاء كبير أو صغير، وتعدل تلاوة القرآن ستة آلاف مرة(13).
وصيغتها(14):
(اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارك على سيِّدنا محمَّد الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، وناصر الحق بالحق، والهادي إلى صراطك المستقيم صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه حق قدره، ومقداره العظيم).
انظر حيث قالوا عنها: إن المرة الواحدة منها تعدل مِن كلَّ تسبيحٍ وقع في الكون، ومِن كلِّ ذكرٍ، ومِن كل دعاءٍ كبيرٍ أو صغيرٍ، ومن القرآن: ستة آلاف مرة.
قال في الإفادة: من لم يعتقد أنها ـ أي صلاة الفاتح ـ من القرآن لم يصب الثواب فيها(15).
ونحن نقول: من اعتقد أنها من القرآن فقد كفر كفرًا بواحًا. لأن من يتلقى الوحي عن الله هم الأنبياء وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيين، وهذه الصلاة لم نجدها في كتاب الله، ولا حتى في حديث ضعيف أو موضوع عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فهل الذي نزلت عليه صلاة الفاتح نبي أو ولي؟ فإن كان وليًّا فالولي لا ينزل عليه الوحي. وإن زعموا أنه نبي فقد كفروا باتفاق.
(ومن ذلك الزعم بأن أوراد الطريقة الشاذلية التي تلقاها ابن إدريس وأخذها عن شيخه قد تعلمها ابن إدريس هذا مشافهة من النبي حال اليقظة لا حال المنام. وقد رأينا نماذج من هذه الأوراد ونماذج الرجال الذين يزعمون أن رسول الله تنزل عليهم، وحضر إليهم ليخصهم بهذه الكرامات وبهذه الأوراد والأذكار... ليعلم هؤلاء أن يقول أحدهم (اللهم انشلني من أوحال التوحيد وأغرقني في بحار الوحدة).
فانظر إلى أي حد استدرجوا أن يدعوا الله أن ينشلهم من التوحيد بل من أوحال التوحيد ليغرقوا في بحار وحدة الوجود فيكون الكلب والخنزير إلههم.
هذا ومن خصائص هذه الأوراد أنها في غاية الركاكة بخلاف الأذكار النبوية التي هي من جوامع الكلم وفضائل النعم.
ومن هذه النماذج التي يتعبدون بها (بكهيعص كفيت بحم عسق حميت فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم اللهم أمنا من كل خوف وهم وغم وكرب كد كد كردد كرده ده ده ده ده ...)(16).
فهذه نماذج من الأدعية التي يزعمون أنهم يتلقونها من الوحي والإلهام أو أن الرسول جاء ليعلمها لهم، والحال أن جميعها من وحي الشياطين وتلبيس الأباليس ومن التمويه والتدليس على العامة والسذج وأصحاب النذور.
قيل لابن عمر وابن عباس: إن المختار يزعم أنه ينزل إليه فقالا: صدق قال تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} [الشعراء: 221-222].
وقال الآخر: وقيل له: إن المختار يزعم أنه يوحي إليه فقال: قال الله تعالى: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} [الأنعام: 121])(17).
الحكم الشرعي:
من المقرر أن الذكر عبادة والعبادات توقيفية لا مجال للابتداع فيها أو للاستحسان، فلا يجوز التقرب إلى الله بتشريع شيء لم يشرعه. وانظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم كيف كان يعلم أصحابه الأذكار؛ ففي حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: حينما علمه ما يقول إذا أتى مضجعه، قال: فرددتهُا على النبي? فلما بلغتُ (آمنت بكتابك الذي أنزلت) قلتُ: ورسولك، قال: (لا، ونبيّك الذي أرسلت)(18)، قال الحافظ ابن حجر: (ألفاظ الأذكار توقيفية في تعيين اللفظ وتقدير الثواب)(19).
ودين الإسلام يقوم على توحيد الله بالعبادة وإفراد النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالاتباع، (ومن يعتقد أن لأحد طريقًا إلى الله من غير متابعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر من أولياء الشيطان)(20).
ولا يختلف اثنان من المسلمين في أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو أفضل الناس وأتقاهم لله، وأكثرهم عبادة وإنابة، ولهذا كان الموفق من سار على طريقته، وسلك مسلكه، وحذا حذوه.
ولزوم طريقته صلى الله عليه وسلم ليس أمرا اختياريا، ولكنه فرض فرضه الله على عباده، بقوله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7].
وقوله {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن كل عبادة محدثة، فهي مردودة على صاحبها مهما بلغت، فقال: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)(21).
فلا يقبل العمل إلا إذا كان خالصا لله، موافقا لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كما في قوله تعالى {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2].
قال الفضيل بن عياض: أخلصه وأصوبه. قالوا يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة.
لما كان صلى الله عليه وسلم رحيما بأمته، حريصا عليهم، لم يدع شيئا من الخير إلا بينه لهم، فمن اخترع اليوم عبادة أو ذكرا أو وردا، وزعم أن فيه خيرا، فقد اتهم النبي صلى الله عليه وسلم ـ شعر أو لم يشعر ـ بأنه لم يبلغ الدين كما أمره الله.
ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم، خان الرسالة؛ لأن الله يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3]، فما لم يكن يومئذ دينا فلن يكون اليوم دينا(22).
ولا يقال هنا: إن هذه الأوراد مباحة من حيث الأصل في دعاء الله بما يراد، لأن هذه الأوراد يتعبد بتلاوتها. (والأمور التي ليست مستحبة في الشرع لا يجوز التعبد بها باتفاق المسلمين، ولا التقرب بها إلى الله، ولا اتخاذها طريقا إلى الله وسببا لأن يكون الرجل من أولياء الله وأحبائه، ولا اعتقاد أن الله يحبها أو يحب أصحابها كذلك، أو أن اتخاذها يزداد به الرجل خيرا عند الله وقربة إليه، ولا أن يجعل شعارا للتائبين المريدين وجه الله الذين هم أفضل ممن ليس مثلهم.
فهذا أصل عظيم تجب معرفته والاعتناء به وهو أن المباحات إنما تكون مباحة إذا جعلت مباحات، فأما إذا اتخذت واجبات أو مستحبات كان ذلك دينا لم يشرعه الله وجعل ما ليس من الواجبات والمستحبات منها بمنزلة جعل ما ليس من المحرمات منها، فلا حرام إلا ما حرمه الله؛ ولا دين إلا ما شرعه الله؛ ولهذا عظم ذم الله في القرآن لمن شرع دينا لم يأذن الله به ولمن حرم ما لم يأذن الله بتحريمه، فإذا كان هذا في المباحات فكيف بالمكروهات أو المحرمات)(23).
والتحذير من الابتداع، كثير في كلام الصحابة والتابعين والأئمة:
قال حذيفة بن اليمان: كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تعبدوها(24).
وقال ابن مسعود: اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم، عليكم بالأمر العتيق(25).
ولنا عبرة بإنكار ابن مسعود على أصحاب الحِلَق المسبحين بالحصى حيث قال: (والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدي من ملة محمد أو مفتتحو باب ضلالة. قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير. قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن قوما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم. ثم تولى عنهم فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج)(26).
فليس كل من أراد الخير أصابه ووفق له، وليس كل عبادة متقبلة، حتى تكون على سنة محمد صلى الله عليه وسلم.
وهذا الإنكار من ابن مسعود رضي الله عنه يقضي على حجة أهل الاختراع والابتداع، فإنهم دائما يقولون: وأي مانع من الأذكار والصلوات والقرآن؟! ونحن لا نريد بها إلا الخير والتقرب إلى الله.
فيقال لهم: إن العبادة يجب أن تكون مشروعة في أصلها وفي هيئتها وكيفيتها، وما كان منها في الشريعة مقيدا بعدد لم يكن لأحد أن يتجاوزه، وما كان مطلقا لم يكن لأحد أن يخترع له حدا، فيضاهي بذلك الشرع.
وما يؤكد هذا المعنى ما جاء عن سعيد بن المسيب رحمه الله، فقد رأى رجلا يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين، فنهاه، فقال الرجل: يا أبا محمد! يعذبني الله على الصلاة؟! قال: "لا، ولكن يعذبك على خلاف السنة"(27).
فهذا فقه الصحابة والتابعين والأئمة، وأما أهل البدع فيقولون: وأي فتنة، إنما هي ذكر وصلاة وأوراد نتقرب بها إلى الله!
فلا ينبغي لعاقل أن يغتر بكلام هؤلاء، فإن الشيطان قد زين لهم أعمالهم، وكرهوا أن يخالفوا شيوخهم وأرباب طريقتهم.
قال سفيان بن عيينة رحمه الله: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، لأن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها.
قال ابن تيمية: (وما علم باتفاق الأمة أنه ليس بواجب ولا مستحب ولا قربة لم يجز أن يعتقد أو يقال إنه قربة وطاعة. فكذلك هم متفقون على أنه لا يجوز قصد التقرب به إلى الله ولا التعبد به ولا اتخاذه دينا ولا عمله من الحسنات فلا يجوز جعله من الدين لا باعتقاد وقول ولا بإرادة وعمل)(28).
الأوراد الشرعية:
واعلم أنه ما ابتدع إنسان بدعة إلا وترك من السنة مثلها أو أعظم منها، ولهذا تجد أصحاب الأذكار المخترعة أجهل الناس بالأذكار النبوية التي واظب عليها النبي صلى الله عليه وسلم، والتي حظيت بالبيان والتوضيح فلم يترك الرسول مجالا من مجالات الذكر إلا بين ما ينبغي على المسلم من الذكر.
فقلما يوجد في أورادهم ذكر مما علمه النبي للأمة من أذكار النوم أو الاستخارة أو الصباح والمساء إلى غير ذلك مما يمكنك الوقوف عليه في الكتب المعنية بالأذكار الشرعية ككتاب الأذكار للنووي وعمل اليوم والليلة للنسائي وابن السني وغيرها.
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم
.
========================

(1) رواه البخارى، (4776).
(2) الموافقات للشاطبي، (2/113). ط دار الفكر بتعليق الخضر حسين.
(3) مقدمة ابن خلدون، ص(467).
(4) سير أعلام النبلاء، (8/156).
(5) المصدر السابق، (6/86).
(6) الفتاوى، (10/359).
(7) تلبيس إبليس، ص(161).
(8) كتاب الاعتصام للشاطبي، (1/71).
(9) لطائف الإعلام، ص(468-471).
(10) تلبيس إبليس، ص(375).
(11) فرق معاصرة للعواجي، (3/55).
(12) للاستزادة حول صلاة الفاتح، انظر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة، (1/97).
(13) المصدر السابق، (1/96)، ط الأولى، مطبعة التقدم العلمية.
(14) انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة.
(15) الأنوار الرحمانية لهداية الطريقة التيجانية، (1/18).
(16) دراسات في التصوف والفلسفة، صالح الرقب، (1/156).
(17) أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، (1/63).
(18) متفق عليه، رواه البخاري، (5956)، ومسلم، (271).
(19) فتح الباري شرح حديث (247).
(20) البقاعي، تنبيه الغبي، ص(21).
(21) رواه مسلم، (1718).
(22) الاعتصام للشاطبي، (1/49).
(23) مجموع الفتاوى، (11/450).
(24) الشاطبي، الاعتصام، (2/630)، الألباني، حجة النبي، ص(100)، التوسل، ص(27).
(25) الألباني، الضعيفة، (1/551).
(26) أخرجه الدارمي في سننه، (204).
(27) رواه البيهقي في السنن الكبرى، (2/466)، والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه، (147)، وعبد الرزاق في المصنف، (3/52)، والدارمي، (1/116) بسند جيد كما في "علم أصول البدع".
(28) مجموع الفتاوى، (11/451).