عبد العزيز مصطفى الشامي

كثيرًا ما يتعرض الإنسان في حياته لمواقف كثيرة وأزمات صعبة يحتاج فيها لمن يقف بجواره، ويقدم له المساندة، والدعم النفسي والمعنوي، وربما المادي، وإذا احتاج الإنسان لأخيه الإنسان في شيء يقدر عليه ويستطيعه، فلا حرج ولا مانع، والأولى الاعتماد على من بيده الأمور، والثقة واليقين برب العالمين، مع الأخذ بالأسباب المباحة التي تعين الإنسان ـ بتوفيق الله سبحانه ـ على أن يتخطى مراحل صعبة في حياته.
وعندما يتعرض المؤمن لابتلاء في دينه أو جسده أو ماله أو ولده، ينبغي أن يكون توجهه وتوكله ورجاؤه خالصًا في الله رب العالمين، مالك السموات والأرض وما بينهما، المتصرف في الخلائق بما يريد وكيف يريد، وإن رزق الله وفضله وكشف للضر لا يسوقه إليك حرص حريص، ولا يرده عنك كراهية كاره، فسبحانه من إله كريم، يعطي من يشاء بفضله، ويمنع من يشاء بعدله، ولا يسأله مخلوق عن علة فعله، ولا يعترض عليه ذو عقل بعقله! سبحان الله الكريم، قد يعطي وهو يمنع، وقد يمنع وهو يعطي، وقد تأتي العطايا على ظهور البلايا، وقد تأتى البلايا على ظهور العطايا، {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216].
وإذا نزل بالإنسان بلاء، فليتوسل إلى الله سبحانه، ويدعوه ويرجوه، وربما ترتفع حرارة النداء والرجاء، فيستغيث العبد بربه ومولاه، ولكن هذا الطريق طريق التوسل والاستغاثة ضل فيه قوم من المبتدعة والصوفية، وهدى الله الذين آمنوا به إلى صراط مستقيم، وإلى بيان ذلك بشيء من التفصيل في السطور القادمة، والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به.
التوسل ... أقسام وأحكام:
ورد لفظ الوسيلة في كتاب الله في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 3]، وهي الطريق الموصلة إلى الله تعالى، ولا طريق موصلة إليه عز وجل إلا الطريق التي يحبها الله ويرضى عنها، وتكون بطاعته وترك معصيته.
قال ابن كثير رحمه الله: (يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بتقواه، وهي إذا قرنت بطاعته كان المراد بها الانكفاف من المحارم وترك المنهيات، وقد قال بعدها: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}، قال سفيان الثوري عن طلحة عن عطاء عن ابن عباس: أي: القربة، وكذا قال مجاهد وأبو وائل والحسن وقتادة وعبد الله بن كثير والسدي وابن زيد وغير واحد، وقال قتادة: أي: تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه، وقرأ ابن زيد: (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة)، وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه، والوسائل والوسيلة: هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود)(1) انتهى.
وقال الشنقيطي رحمه الله: (اعلم أن جمهور العلماء على أن المراد بالوسيلة هنا هو القربة إلى الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، على وفق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بإخلاص في ذلك لله تعالى؛ لأن هذا وحده هو الطريق الموصلة إلى رضا الله تعالى، ونيل ما عنده من خير الدنيا والآخرة.
وأصل الوسيلة: الطريق التي تقرب إلى الشيء، وتوصل إليه وهي العمل الصالح بإجماع العلماء؛ لأنه لا وسيلة إلى الله تعالى إلا باتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فالآيات المبينة للمراد من الوسيلة كثيرة جدًّا كقوله تعالى: {وَمَا آتاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} [الحشر: 7]، وكقوله: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللهَ فَٱتَّبِعُونِي} [آل عمران: 31]، وقوله: {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} [النور: 54]، إلى غير ذلك من الآيات.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد بالوسيلة الحاجة ... وعلى هذا القول الذي روي عن ابن عباس فالمعنى: {وَٱبْتَغُواْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ}: واطلبوا حاجتكم من الله؛ لأنه وحده هو الذي يقدر على إعطائها، ومما يبين معنى هذا الوجه قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللهِ ٱلرِّزْقَ وَٱعْبُدُوهُ} [العنكبوت: 17]، وقوله: {وَٱسْأَلُواْ ٱللهَ مِن فَضْلِهِ} [النساء: 32]، وفي الحديث: (إذا سألتَ فاسأل الله)(2).
ثم قال الشنقيطي رحمه الله: التحقيق في معنى الوسيلة هو ما ذهب إليه عامة العلماء من أنها التقرب إلى الله تعالى بالإخلاص له في العبادة، على وفق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وتفسير ابن عباس داخل في هذا؛ لأن دعاء الله والابتهال إليه في طلب الحوائج من أعظم أنواع عبادته التي هي الوسيلة إلى نيل رضاه ورحمته(3) انتهى.
والتوسل لغة:
هو التقرب، ومنه قوله تعالى: {يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ} أي: ما يقربهم إليه، وينقسم إلى قسمين توسل مشروع وتوسل ممنوع:
فالتوسل المشروع:
هو التقرب إلى الله تعالى بما يحبه ويرضاه من العبادات الواجبة أو المستحبة، سواء كانت أقوالًا أو أفعالًا أو اعتقادات وهذا أنواع:
ا
لأول: التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته، قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 180] فيقدّم العبد بين يدي دعاء الله تعالى الاسم المناسب لمطلوبه كتقدم اسم الرحمن حال طلب الرحمة، والغفور حال طلب المغفرة، ونحو ذلك.
الثاني: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان والتوحيد، قال تعالى: {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 53].
الثالث: التوسل بالأعمال الصالحة بأن يسأل العبد ربه بأزكى أعماله عنده وأرجاها لديه كالصلاة والصيام وقراءة القرآن، والعفّة عن المحرّم ونحو ذلك، ومن ذلك الحديث المتفق عليه في الصحيحين في قصة الثلاثة نفر الذين دخلوا الغار، وانطبقت عليهم الصخرة، فسألوا الله بأرجى أعمالهم، ففرّج عنهم ما هم فيه(4).
ومن ذلك أن يتوسّل العبد بفقره إلى الله كما قال الله تعالى عن نبيه أيوب عليه السلام: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83]، أو بظلم العبد نفسه، وحاجته إلى الله كما قال تعالى عن نبيه يونس عليه السلام: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87].
وهذا التوسل المشروع يختلف حكمه من نوع إلى آخر، فمنه ما هو واجب كالتوسل بالأسماء والصفات والتوحيد، ومنه ما هو مستحب كالتوسل بسائر الأعمال الصالحة.
ومن ذلك أيضًا التوسل بدعاء العبد الصالح وهي حيّ، والعالم الرباني، فهذا لا بأس بطلب الدعاء منه، ما لم يتخذ عادة ومع أي أحد ويكون المرء فيه متكلًا على دعاء هؤلاء مع تفريطه.
أما التوسل البدعي الممنوع:
فهو التقرب إلى الله تعالى بما لا يحبه ولا يرضاه من الأقوال والأفعال والاعتقادات، ومن ذلك: التوسل إلى الله بدعاء الموتى، ونحو ذلك، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة منافٍ للتوحيد، فدعاء الله تعالى سواء كان دعاء مسألة كطلب النفع أو دفع الضر، أو دعاء عبادة كالذل والانكسار بين يديه سبحانه لا يجوز أن يُتوجه به لغير الله، وصرفه لغيره شرك في الدعاء، قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60]، فبيّن الله تعالى في هذه الآية جزاء من يستكبر عن دعاء الله؛ إما بأن يدعوا غيره أو بأن يترك دعائه جملة وتفصيلًا، كبْرًا وعُجْبًا وإن لم يدع غيره.
وقال تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55] فأمر الله العباد بدعائه دون غيره، والله يقول عن أهل النار: {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 97-98]، فكل ما اقتضى تسوية غير الله بالله في العبادة والطاعة فهو شرك به سبحانه، وقال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} [الأحقاف: 6].
وقال سبحانه: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون: 117] فجعل الله تعالى من دعا غيره معه متخذًا إلهًا من دونه، وقال سبحانه: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، فبين الله تعالى في هذه الآية أنه هو المستحق للدعاء لأنه المالك المتصرف لا غيره، وأن تلك المعبودات لا تسمع الدعاء، فضلًا عن إجابتها للداعي، ولو قُدِّر أنها سمعت لما استجابت، لأنها لا تملك نفعا ولا ضرا، ولا تقدر على شيء من ذلك. وإنما كفر مشركو العرب الذين بعث النبي صلى الله عليه وسلم لدعوتهم بسبب هذا الشرك في الدعاء إذ كانوا يدعون الله تعالى مخلصين له الدين في حال الشدة، ثم يكفرون به في الرخاء والنعمة بدعوة غيره معه سبحانه قال تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 65]، وقال سبحانه: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ} [الإسراء: 67]، وقال جل وعلا: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [يونس: 22].
الدسّ والابتداع في التوسل:
وهنا ينبغي الانتباه إلى بعض الافتراءات التي زادها بعض المبتدعة في حديث التوسل، ومن ذلك ما يلي:
1- التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم:
أما سؤال الله بجاه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وحقه، وجاه الصالحين وحقهم: ليس شركًا، وأعلى ما يقال فيه أنه وسيلة إلى الشرك، لا أنه شرك بذاته. قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: أما إذا توسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: اللهم إني أسألك بجاه محمد، أو بحق محمد: فهذا بدعة، عند جمهور أهل العلم، نقص في الإيمان، ولا يكون مشركًا، ولا يكون كافرًا، بل هو مسلم، ولكن يكون هذا نقصًا في الإيمان، وضعفًا بالإيمان، مثل بقية المعاصي التي لا تخرج عن الدين ; لأن الدعاء، ووسائل الدعاء: توقيفية، ولم يرد في الشرع ما يدل على التوسل بجاه محمد صلى الله عليه وسلم، بل هذا مما أحدثه الناس.
فالتوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم، أو بجاه الأنبياء، أو بحق النبي، أو بحق الأنبياء، أو بجاه فلان، أو بجاه علي، أو بجاه أهل البيت: كل هذا من البدع، والواجب ترك ذلك، لكن ليس بشرك، وإنما هو من وسائل الشرك، فلا يكون صاحبه مشركًا، ولكن أتى بدعة تنقص الإيمان، وتضعف الإيمان، عند جمهور أهل العلم(5).
وقال رحمه الله: (فلا يقول الإنسان: اللهم اغفر لي بحق فلان، أو بحق محمد، أو بحق الصالحين، أو بحق الأنبياء، أو بجاه الأنبياء، أو بحرمة الأنبياء، أو ببركة الأنبياء، أو ببركة الصالحين، أو ببركة علي، أو ببركة الصديق، أو ببركة عمر، أو بحق الصحابة، أو حق فلان، كل هذا لا يجوز، هذا خلاف المشروع، وبدعة، وهو ليس بشرك، لكنه بدعة، لم يرد في الأسئلة التي دعا بها النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك أصحابه رضي الله عنهم. وإنما يتوسل بما شرعه الله من أسماء الله، وصفاته، ومن توحيده، والإخلاص له، ومن الأعمال الصالحات، هذه هي الوسائل...)(6+).
2- توسل آدم بالنبي صلى الله عليه وسلم:
ومن ذلك احتجاجهم بحديث اقتراف آدم للخطيئة وتوسله بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو حديث موضوع مكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آدم عليه السلام.
ولفظه الذي يُروى كما يلي: عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «لَمَّا أَذْنَبَ آدَمُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذَّنْبَ الَّذِي أَذْنَبَهُ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى الْعَرْشِ ، فَقَالَ : أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ إِلَّا غَفَرْتَ لِي ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ ، وَمَا مُحَمَّدٌ وَمَنْ مُحَمَّدٌ ؟ فَقَالَ : تَبَارَكَ اسْمُكَ ، لَمَّا خَلَقْتَنِي رَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى عَرْشِكَ ، فَإِذَا فِيهِ مَكْتُوبٌ : لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ، لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَعْظَمَ عِنْدَكَ قَدْرًا مِمَّنْ جَعَلْتَ اسْمَهُ مَعَ اسْمِكَ ، فَأَوْحَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ ، يَا آدَمُ ، إِنَّهُ آخِرُ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ ، وَإِنَّ أُمَّتَهُ آخِرُ الأُمَمِ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ ، وَلَوْلاهُ يَا آدَمُ مَا خَلَقْتُكَ».
وممن ضعفه من العلماء الإمام الذهبي رحمه الله. والبيهقي رحمه الله لم يرو الحديث في سننه، بل رواه في "دلائل النبوة" (5/489) وضعَّفه، فقد قال بعد سياقه للحديث: (تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف).
ومما يرجح نكارة المتن وبطلانه: أن الدعاء الذي قبِل الله به توبة آدم هو ما قاله الله في سورة الأعراف: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23]، فهذا هو الدعاء الذي دعا به آدم وحواء، وفيه دعاء الله تعالى وحده، والتوسل بأسمائه وصفاته، والتوسل بذكر حالهم، وهي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه ثم قالها فتاب الله تعالى عليه، كما قال تعالى: {فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 37].
3- توسل الأعمى بالنبي صلى الله عليه وسلم:
أما عن حديث أن أعمى أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يكشف عن بصري، فقال: فانطلق فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل: (اللهم إني أسألك وأتوجه إليك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي حاجتي) فهذا الحديث اختلف أهل العلم في صحته، فمنهم من قال: إنه ضعيف، ومنهم من قال: إنه حسن.
ولكن له وجهة ليست كما يتبادر من اللفظ، فإن هذا الحديث معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر هذا الرجل الأعمى أن يتوضأ، ويصلي ركعتين ليكون صادقًا في طلب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم له، وليكون وضوؤه، وصلاته عنوانًا على رغبته في التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم والتوجه به إلى الله سبحانه وتعالى؛ فإذا صدقت النية، وصحت، وقويت العزيمة فإن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع له إلى الله عز وجل؛ وذلك بأن يدعو النبي صلى الله عليه وسلم له، فإن الدعاء نوع من الشفاعة، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شَفَّعهم الله فيه)(7).
فيكون معنى هذا الحديث أن هذا الأعمى يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله له؛ لأن هذا الدعاء نوع شفاعة. أما الآن وبعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فإن مثل هذه الحال لا يمكن أن تكون لتعذر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأحد بعد الموت، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)(8).
والدعاء بلا شك من الأعمال التي تنقطع بالموت؛ بل الدعاء عبادة، كما قال الله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر:60]، ولهذا لم يلجأ الصحابة رضي الله عنهم عند الشدائد وعند الحاجة إلى سؤال النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله لهم؛ بل قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قحط المطر: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون) وطلب من العباس رضي الله عنه أن يدعو الله عز وجل بالسقيا فدعا فسقوا(9).
وهذا يدل على أنه لا يمكن أن يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته أن يدعو لأحد؛ لأن ذلك متعذر لانقطاع عمله بموته صلوات الله وسلامه عليه؛ وإذا كان لا يمكن لأحد أن يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا يمكن ومن باب أولى أن يدعو أحد النبيَّ صلى الله عليه وسلم نفسه بشيء من حاجاته أو مصالحه؛ فإن هذا من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله؛ والذي حرم الله على من اتصف به الجنة.
قال الله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنْ الظَّالِمِينَ} [يونس: 106]، وقال تعالى: {فَلَا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ} [الشعراء: 213]؛ وقال الله عز وجل: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون: 117]؛ وقال تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَار} [المائدة: 72].
فالمهم أن من دعا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته أو غيره من الأموات لدفع ضرر أو جلب منفعة فهو مشرك شركًا أكبر مخرجًا عن الملة، وعليه أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى، وأن يوجه الدعاء إلى العلي الكبير الذي يجيب دعوة المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.
وإني لأعجب من قوم يذهبون إلى قبر فلان وفلان يدعونه أن يفرج عنهم الكربات ويجلب لهم الخيرات وهم يعلمون أن هذا الرجل كان في حال حياته لا يملك ذلك، فكيف بعد موته، بعد أن كان جثة وربما يكون رميمًا قد أكلته الأرض فيذهبون يدعونه، ويتركون دعاء الله عز وجل الذي هو كاشف الضر، وجالب النفع والخير، مع أن الله تعالى أمرهم بذلك وحثهم عليه فقال: {وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]. وقال الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186]. وقال تعالى منكرًا على من دعا غيره: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أإِلَهٌ مَعَ اللهِ} [النمل: 62])(10) اهـ.
فالحديث لا يدل على جواز التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم كما ذهب إليه البعض، بل الحديث يدل على أن هذا الرجل توسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم فقوله: (اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد) أي: بدعاء نبينا محمد، وقوله: (يا محمد إني أتوجه بك إل ربي) أي: بدعائك. ويدل على هذا:
أ- أن هذا الرجل، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلب منه أن يدعو له، ولو كان مراده التوسل بجاهه صلى الله عليه وسلم لقعد في بيته، وقال: اللهم إني أتوسل إليك وأسألك بجاه محمد.
ب- من جملة الدعاء الذي علمه الرسول صلى الله عليه وسلم: (اللهم فشفعه فيّ، وشفعني فيه) أي: اقبل شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم فيّ، والشفاعة هي الدعاء، فيكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد دعا له. وقوله: (وشفعني فيه) أي: اقبل دعائي أن تقبل دعاءه.
قال الألباني رحمه الله: (إن مما علم النبي صلى الله عليه وسلم الأعمى أن يقوله: (وشفعني فيه) أي: اقبل شفاعتي أي دعائي في أن تقبل شفاعته صلى الله عليه وسلم أي دعاءه في أن ترد علي بصري. هذا الذي لا يمكن أن يفهم من هذه الجملة سواه.
ولهذا ترى المخالفين يتجاهلونها ولا يتعرضون لها من قريب أو من بعيد، لأنها تنسف بنيانهم من القواعد، وتجتثه من الجذور، وإذا سمعوها رأيتهم ينظرون إليك نظر المغشي عليه. ذلك أن شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في الأعمى مفهومة، ولكن شفاعة الأعمى في الرسول صلى الله عليه وسلم كيف تكون؟ لا جواب لذلك عندهم البتة، ومما يدل على شعورهم بأن هذه الجملة تبطل تأويلاتهم أنك لا ترى واحدا منهم يستعملها، فيقول في دعائه مثلا: اللهم شفع فيّ نبيك وشفعني فيه)(11) اهـ.
4- التوسل بالموتى:
ولا يجوز طلب الدعاء أو الشفاعة من الميت، وخاصة عند قبره؛ لأنه يكون عنده أشد تعلقًا به، وهذا من البدع المنكرة والوسائل المفضية إلى الشرك وسؤال غير الله، وقد يصل به الحال إلى الشرك الأكبر المخرج عن الملة، وهو يحصل كثيرا في هؤلاء؛ لشدة تعلقهم بالميت.
والشفاعة إنما تطلب من الله، لا من المخلوقين، ويأذن الله في الشفاعة لمن يشاء من عباده الصالحين ويرضى، وذلك لا يكون إلا يوم القيامة. قال الله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ الله} [يونس: 18]، وقال تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} [الزمر: 43-44].
فتاوى العلماء في التوسل:
ومن المنقول عن أهل العلم في ذلك: قال شيخ الإسلام رحمه الله: (لَيْسَ فِي الزِّيَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ حَاجَةُ الْحَيِّ إلَى الْمَيِّتِ وَلَا مَسْأَلَتُهُ وَلَا تَوَسُّلُهُ بِهِ؛ بَلْ فِيهَا مَنْفَعَةُ الْحَيِّ لِلْمَيِّتِ كَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَاللهُ تَعَالَى يَرْحَمُ هَذَا بِدُعَاءِ هَذَا وَإِحْسَانِهِ إلَيْهِ وَيُثِيبُ هَذَا عَلَى عَمَلِهِ) انتهى(13).
وقال أيضًا رحمه الله: (وما يفعلونه من دعاء المخلوقين كالملائكة أو كالأنبياء والصالحين الذين ماتوا مثل دعائهم مريم وغيرها وطلبهم من الأموات الشفاعة لهم عند الله لم يبعث به أحد من الأنبياء) انتهى(14).
وقال أيضًا: (الثَّانِيَةُ: أَنْ يُقَالَ لِلْمَيِّتِ أَوْ الْغَائِبِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ: اُدْعُ اللهَ لِي أَوْ اُدْعُ لَنَا رَبَّك أَوْ اسْأَلْ اللهَ لَنَا كَمَا تَقُولُ النَّصَارَى لِمَرْيَمَ وَغَيْرِهَا، فَهَذَا أَيْضًا لَا يَسْتَرِيبُ عَالِمٌ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ وَأَنَّهُ مِنْ الْبِدَعِ الَّتِي لَمْ يَفْعَلْهَا أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ، فلَيْسَ مِنْ الْمَشْرُوعِ أَنْ يُطْلَبَ مِنْ الْأَمْوَاتِ لَا دُعَاءٌ وَلَا غَيْرُهُ. وَفِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللهِ السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَا بَكْرٍ السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَتِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ. وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: رَأَيْت عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقِفُ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَدْعُو لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. وَكَذَلِكَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَغَيْرُهُ نُقِلَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا أَرَادُوا الدُّعَاءَ اسْتَقْبَلُوا الْقِبْلَةَ يَدْعُونَ اللهَ تَعَالَى لَا يَدْعُونَ مُسْتَقْبِلِي الْحُجْرَةِ.
وَمَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ - مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ - وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ) انتهى(15).
وقال الشيخ ابن باز رحمه الله: (لا يجوز أن تطلب منه الشفاعة ولا غيرها كسائر الأموات؛ لأن الميت لا يطلب منه شيء وإنما يدعى له ويترحم عليه إذا كان مسلما، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة)(16). فمن زار قبر الحسين أو الحسن أو غيرهما من المسلمين للدعاء لهم والترحم عليهم والاستغفار لهم كما يفعل مع بقية قبور المسلمين فهذا سنة، أما زيارة القبور لدعاء أهلها أو الاستعانة بهم أو طلبهم الشفاعة فهذا من المنكرات، بل من الشرك الأكبر) انتهى(17).
وقال: (لا يجوز لأحد أن يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم الشفاعة؛ لأنها ملك الله سبحانه، فلا تطلب إلا منه، كما قال تعالى: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [الزمر: 44]، فتقول: اللهم شفع في نبيك، اللهم شفع في ملائكتك، وعبادك المؤمنين، اللهم شفع في أفراطي، ونحو ذلك. وأما الأموات فلا يطلب منهم شيء، لا الشفاعة ولا غيرها، سواء كانوا أنبياء أو غير أنبياء) انتهى(18).
الخلاصة:
مما سبق يتبين لنا أن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم على ضربين اثنين: جائز وممنوع، فأما التوسل المشروع فيكون بطلب دعائه صلى الله عليه وسلم في حياته. والنوع الثاني التوسل الممنوع، وهو التوسل به بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، فقد انقطع هذا الباب، ولا يجوز التوسل به بعد موته صلى الله عليه وسلم. وهذا فَهْم وفعل الصحابة الكرام، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: اللهُمَّ! إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا، قَالَ فَيُسْقَوْنَ"(19). فلو كان طلب الشفاعة والتوسل بالأموات جائزًا لما عدل الصحابة رضي الله عنهم عن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم والاستشفاع به إلى العباس رضي الله عنه. وهذا أمر متفق عليه بين علماء المسلمين قديما وحديثا، لا خلاف بينهم فيه، إنما يخالف فيه من لا يعتد بخلافه من أهل البدع. والله تعالى يقول: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 13-14].
الاستغاثة.. مفاهيم وأحكام:
الاستغاثة لغة: طلب الغوث، وهو إزالة الشدة، كالاستنصار طلب النصر، والفرق بين الدعاء والاستغاثة: أن الدعاء عام في كل الأحوال، والاستغاثة هي الدعاء لله في حالة الشدائد(20).
وإن الاستغاثة بالأموات، وإنزال الحاجات بهم، والتوسل بهم هو بقية من عبادة الأصنام، فإن الجاهلية كانوا يستغيثون بهم ويطلبون الحاجات منهم، وكل بدعة ضلالة، وأي ضلالةٍ أعظم من عبدٍ يُنزل حاجاته بالأموات ويعرض عن باري البريات.
وقد ثبت أنه صلى الله عليه وآله وسلم بايعه جماعه من الصحابة على أن لا يسألوا الناس شيئًا، فكان أحدهم إذا سقط سوطه وهو على راحلته لم يسأل من يناوله، بل ينزل بنفسه، كل هذا لتفرد الله بالسؤال وطلب الحاجات. قال أبو ذر رضي الله عنه: دعاني رسول الله فقال: (هل لك إلى البيعة ولك الجنة؟) قلت: نعم، وبسطت يدي، فقال رسول الله وهو يشترط: (على أن لا تسأل الناس شيئًا). قلت: نعم. قال: (ولا سوطك إن سقط منك حتى تنزل فتأخذه)(21).
ولما كان في أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه لا يُستغاث بي، وإنما يستغاث بالله). يعلمهم أن الحاجات والشدائد لا يُنادى فيها ولا يدعى ولا يرجى إلا الله.
ولا يخفى أن الاستغاثة بالأموات أو الغائبين، ودعاءهم من دون الله أو مع الله شرك أكبر يخرج من ملة الإسلام، سواء كان المستغاث به نبيًا أم غير نبي، قال: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون: 117]، وقوله جل وعلا: {ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ)} [فاطر: 13-14]. وإن من استغاث بالله وسأله سبحانه وحده، وتوسل بجاه الموتى جاهلًا أو طاف حول قبورهم دون أن يعتقد فيهم تأثيرًا، وإنما رجا أن تكون منزلتهم عند الله سببًا في استجابة الله له فهو مبتدع آثم مرتكب لوسيلة من وسائل الشرك، ويُخشى عليه أن يكون ذلك منه ذريعة إلى وقوعه في الشرك الأكبر.
واعلم بأن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه جائزة، قال الله تعالى في قصة موسى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص: 15]. وإن الناس لم يستغيثوا بالأنبياء الكرام في الموقف العظيم يوم القيامة ليزيلوا عنهم الشدة، ولكنهم يستشفعون بهم عند الله عز وجل ليزيل هذه الشدة، وهناك فرق بين من يستغيث بالمخلوق ليكشف عنه الضرر والسوء، ومن يستشفع بالمخلوق إلى الله ليزيل الله عنه ذلك، وهذا أمر جائز كما أن الصحابة رضي الله عنهم يسألون النبي صلى الله عليه وسلم في حياته أن يدعو الله لهم، وأما بعد موته فحاشا وكلا أنهم سألوه ذلك عند قبره، بل أنكر السلف الصالح على من قصد دعاء الله عند قبره فكيف بدعائه نفسه؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فأما لفظ الغوث والغياث فلا يستحقه إلا الله، فهو غياث المستغيثين، فلا يجوز لأحد الاستغاثة بغيره، ولا بملك مقرب، ولا نبي مرسل، ومن زعم أن أهل الأرض يرفعون حوائجهم التي يطلبون بها كشف الضر عنهم ونزول الرحمة إلى الثلاثمائة، والثلاثمائة إلى السبعين، والسبعون إلى الأربعين، والأربعون إلى السبعة، والسبعة إلى الأربعة، والأربعة إلى الغوث، فهو كاذب ضال مشرك، فقد كان المشركون كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 67]، وقال سبحانه وتعالى: { أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} [النمل: 62] فكيف يكون المؤمنون يرفعون إليه حوائجهم بعده بوسائط من الحُجَّاب وهو القائل تعالى: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186]، وقد علم المسلمون كلهم أنه لم يكن عامة المسلمين ولا مشايخهم المعروفون يرفعون إلى الله حوائجهم، لا ظاهرا ولا باطنا، بهذه الوسائط والحجاب، فتعالى الله عن تشبيهه بالمخلوقين من الملوك وسائر ما يقوله الظالمون علوا كبيرا، وهذا من جنس دعوى الرافضة أنه لا بد في كل زمان من إمام معصوم يكون حجة الله على المكلفين، لا يتم الإيمان إلا به، بل هذا الترتيب والأعداد تشبه من بعض الوجوه ترتيب الإسماعيلية والنصيرية ونحوهم في السابق والتالي والناطق والأساس والجسد وغير ذلك من الترتيب الذي ما نزل الله به من سلطان)(22) انتهى.
الخلاصة:
ومما سبق معنا يتضح أنه لا يجوز الاستغاثة بالمخلوق في غير ما يقدر عليه، فلا يجوز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته إلا بما يقدر عليه، أما بعد موته فلا يجوز ذلك، فقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم صحابته الأطهار أنه لا يصح منهم أن يستغيثوا به صلى الله عليه وسلم؛ لأن الاستغاثة لا تكون إلا بالله تعالى. بخلاف أهل البدع الذين يجوّزون الاستغاثة بالنبي والولي والشيخ والمقبور، وغير ذلك، وطرق الضلال غير محصورة. نسأل الله السلامة والعافية.
الفرق بين الاستغاثة والتوسل:
هناك فرق بين التوسل والاستغاثة، فالتوسل بكل أنواعه المشروعة والممنوعة هو: التوجه إلى الله تعالى أولًا، ثم التوسل ثانيًا، فهو أقرب ما يدور بين الجائز والمحرم والبدعة، مثل: (اللهم ببرّي بوالدتي فرّج همي)، ومثل: (اللهم بصلتي لرحمي وفّقني)، أو حتى هذا التوسل الذي لا دليل عليه (اللهم بنبيك محمد اغفر لي)، فتجد أن المتوسل يتوجه إلى الله أولًا بقوله: (اللهم) ثم التوسل بعدها.
أما الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهي شرك؛ لأنها دعاء، والدعاء عبادة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (الدعاء هو العبادة)(23)، وهي توجيه الدعاء للمخلوق والطلب منه مما لا يقدر عليه إلا الله مثل قولهم: (يا رسول الله اغفر لي) ومثل: (يا عبد القادر ارزقني) ومثل: (يا بدوي فرج كربتي) ومثل: (يا صاحب الزمان أدركني)، وهو صرف لعبادة الدعاء لغير الله، وهذا من الشرك الأكبر.
ا
ستغاثة الصوفية وتوسلهم بالنبي والولي:
كثير من الجُهَّال المدعين للتصوُّف يزعم أن المراد بالوسيلة هو (الشيخ) الذي يكون له واسطة بينه وبين ربه. وهذا تخبط في الجهل والعمى وضلال مبين، وتلاعب بكتاب الله تعالى، واتخاذ الوسائط من دون الله، فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الطريق الموصلة إلى رِضا الله وجنته ورحمته هي اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن حاد عن ذلك فقد ضل سواء السبيل، {لَّيْسَ بِأَمَٰنِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123].
وعلى هؤلاء يتحسر الإمام الآلوسي رحمه الله وعلى أقوام هذه صفتهم فيقول في تفسيره عند قول الله جل وعلا: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [يونس: 22]: (ليس المراد تخصيص الدعاء فقط به سبحانه، بل تخصيص العبادة به تعالى أيضًا؛ لأنهم بمجرد ذلك لا يكونون مخلصين له الدين. وأيًا ما كان فالآية دالة على أن المشركين لا يدعون غيره تعالى في تلك الحال، وأنت خبير بأن الناس اليوم إذا اعتراهم أمر خطير، وخطب جسيم، في بر أو بحر، دعوا من لا يضر ولا ينفع، ولا يرى ولا يسمع.
فمنهم من يدعو الخضر وإلياس، ومنهم من ينادي أبا الخميس والعباس، ومنهم من يستغيث بأحد الأئمة، ومنهم من يتضرع إلى شيخ من مشايخ الأمة، ولا ترى أحدًا فيهم يخص مولاه، بتضرعه ودعاه، ولا يكاد يمر له ببال؛ أنه لو دعا الله تعالى وحده ينجو من هاتيك الأهوال، فبالله عليك قل لي:أي الفريقين من هذه الحيثية أهدى سبيلا، وأي الداعِيَيْن أقوم قيلا؟ وإلى الله المشتكى من زمان عصفت فيه ريح الجهالة، وتلاطمت أمواج الضلالة، وخُرقت سفينة الشريعة، واتُّخذت الاستغاثة بغير الله للنجاة ذريعة، وتعذر على العارفين الأمر بالمعروف، وحالت دون النهي عن المنكر صنوف الحتوف)(24).
ولقد حث أئمة الصوفية أتباعهم على الاستغاثة بالأولياء ومشايخ الصوفية، فهم يعتبرون الشيخ غياث (يستغيث به تجار اليمن في شدائد البحر ومضايق البر)(25).
وقال بعضهم: إن الشيخ أحمد بن علوان (يستغيث به أهل المراكب إذا مسهم الضر في البحر)(26).
ويذيع القشيري نداء معروف الكرخي (إذا كانت لك حاجة إلى الله فأقسم عليه بي) ثم يذكر القشيري أن (قبر معروف الكرخي يُستشفى به، وأنه لترياق المجرب)(27).
وروى قصة مفادها أن أحد المتصوفة جاء إلى أبي يعقوب السوسي يخبره أنه سيموت غدًا ظهرًا وأوصاه بدفنه، فلما وضعه في اللحد فتح عينيه فقال أبو يعقوب (أحياة بعد الموت؟ فقال: أنا حي وكل محب لله حي)(28).
وقال آخر: (أنا من المتصرفين في قبورهم، فمن كانت له حاجة فليأت إلى قبري، وليطلب حاجته أقضها له)(29).
وزاد آخر: (وادعوني فأني أحضركم أينما كنتم)(30).
وزعم بعضهم أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: (أن أردت أن يفتح الله عليك فخذ من قبر الضرير شيئًا وابتلعه على الريق ففعل)(31).
وقال الشعراني: (ذكر لي بعض المشايخ أن الله تعالى يوكل بقبر الولي ملكا يقضي الحوائج، وتارة يخرج الولي من قبره ويقضيها بنفسه)(32).
وذكر الشعراني أن غالب الأولياء لهم السراح والإطلاق في قبورهم وأنهم يذهبون ويجيئون متى شاءوا، ثم حكى عن نفسه أنه ذهب إلى قبر ابن الفارض فلم يجده في قبره، ثم جاء ابن الفارض بعد أن ذلك وقال له: (اعذرني فإني كنت في حاجة)(33).
وهكذا صار القبر مسجدًا يأوي إليه ذوو الحاجات، وصار الولي قبلة الدعاء حيًّا كان أو ميتًا، ومحط الآمال. وهذه عودة إلى الزلة الأولى التي وقع قوم نوح حين اتخذوا قبور صالحي قوم نوح ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر مسجدًا. وهذا تحقيق قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين وحتى تعبد الأوثان)(34).
الاستغاثة بالمخلوق والاستغناء عن الخالق:
وتجد في مقابل ذلك عندهم استغناء عن الله وإعراضًا عنه، حتى قال بعضهم: (حقيقة المحبة أن ينسي العبد حظه من الله عز وجل، وينسى حوائجه إليه)(35).
وسئل المظفر القرميني عن علامة الفقير فقال: (أن لا يكون له إلى الله حاجة)(36).
- وأما مقام الرضا عند أبي سليمان الداراني فهو (أن لا تسأل الله الجنة ولا تستعيذ به من النار)(37).
- وقيل للشبلي: (ألا تعلم أنه رحمن؟ فقال بلى ولكن منذ علمته ما سألته أن يرحمني)(38).
لا فرق بين التوسل والاستغاثة عند الصوفية:
وإذا كان المبتدعة والصوفية قد اتفقوا على جواز التوسل والاستغاثة بغير الله، والحلف والاستعانة كذلك، وينذرون لأضرحة شيوخهم، ويزورون القبور يطلبون العون والمدد من أصحابها، ويعبدون الله وأكثرهم مشركون، فقد اتفقوا أيضًا على أنه لا فرق بين التوسل والاستغاثة، فقال أحدهم: (لا فرق أن يعبر بلفظ الاستغاثة، أو التوسل، أو التشفع، أو التوجه. فكل من الاستغاثة والتوسل والتوجه والتشفع بالنبي صلى الله عليه وسلم كما ذكره في (تحقيق النصرة)، و (مصباح الظلام)، و(المواهب اللدنية) للقسطلاني واقع في كل حال قبل خلقه، وبعد خلقه في مدة حياته في الدنيا، وبعد موته في مدة البرزخ، وبعد البعث في عرصات القيامة..)(39).
ويؤكد محسن بن عبد الكريم هذا المعنى الذي قرره سلفه، فيقول: (والمتوسل بالنبي، أو الولي لا يعتقد أنه يفعل ما يريد، وأنه إن شاء الضر فعله، وإن لم يأذن به الله، وإن شاء النفع فعله، وإن لم يأذن به الله. ولو كان معتقدًا لذلك لما جعله - أي الولي أو النبي - وسيلة إلى الله، ولوجّه العبادة إليه من أول الأمر)(40).
ويستنكر داود بن جرجيس على من استغرب طلب التسبب من الموتى، ما دام أن ذلك الذي طلب من الموتى، ويستغيث، ويتوسل بهم يعترف بأن الله هو الفاعل، فيقول: (كيف يستغرب طلب التسبب من الموتى والتشفع والتوسل بدعائهم إلى ربهم…؟ فهل إذا عامل أحد هؤلاء الذين هذا حالهم معاملة الأحياء يلام على ذلك، أو يعاب أو يؤثم أو يكفّر.. مع اعتقاده أن الفعل لله وحده خلقًا وإيجادًا لا شريك له، وأنه يكون من أهل القبور من الأنبياء، والأولياء تسببًا وكسبًا؟)(41).
ويدعي داود أن الصالحين بعد وفاتهم أحياء في قبورهم، كما هم عليه في الدنيا فيقول: (وكان بعد من يدعي العلم في زعمه وهو أجهل من هبنقة، يقول كيف يعلم الأنبياء، والأولياء بمن يستشفع بهم ويناديهم؟ فقلت لهم هم مكشوف لهم في الدنيا، وهم على ما هم عليه بعد موتهم..)(42).
ويقول: (إن سائر الموتى أحياء حياة برزخية، ولا ينكر التوسل والتشفع بهم إلا من جعلهم ترابًا وعظامًا، وترك ما يجب لهم ويسند إليهم إكرامًا وتعظيمًا..)(43).
ويزعم ابن جرجيس أن منكري التوسل والاستغاثة بالموتى، إنما أتاهم الإنكار من اعتقادهم أن الميت لا يسمع ولا يرى وليس له حياة برزخية، يقول داود: (اعلم أيها المؤمن أن المنكر للتوسل والتشفع من الأنبياء، والأولياء من عبّاد الله الصالحين والاستغاثة بهم.. إنما أتاه الإنكار من اعتقاده أن الميت إذا مات صار ترابًا، لا يسمع ولا يرى وليس له حياة برزخية في قبره.. ولو كان معتقدًا أن سائر أهل القبور أحياء حياة برزخية يعقلون، ويسمعون، ويرون، ويتزاورون، وأن أعمال الأحياء تعرض عليهم، لما وسعه الإنكار..)(44).
ويبين محمد بن مصطفى الحسني جواز التوسل والاستغاثة بغير الله، لعدم اعتقاد - هؤلاء المستغيثين والمتوسلين - التأثير لغير الله، ولا يكتفي الحسني بذلك، بل يقرر انتقاء التأثير وسقوط الأسباب، فليست النار سببًا في الاحتراق وإنما اقترنت النار بالإحراق فقط … يقول: (والمسلمون لم يعتقد أحد منهم التأثير في الواسطة المتوسل بها إلى الله، كيف وصغار الولدان منهم يعرف ذلك ضرورة لقراءته كلام الله كل حين، وقد نفوا التأثير عما يحكم عليه بالعادة أنه مؤثر بحاسة العيان كالنار مثلًا، فإن إحراق ما مسته لا دلالة للعادة عليه أصلًا، وإنما غاية ما دلت عليه العادة الاقتران فقط بين الأمرين..)(45).
ويجعل دحلان كلًا من التوسل والتشفع والاستغاثة بالأموات بمعنى واحد هو التبرك فقط … ثم يدعي أنهم أسباب يرحم الله بهم، لكن الله هو المؤثر وحده، ولكن - أيضًا - هؤلاء الأموات سبب عادي لا تأثير له!! يقول دحلان: (فالتوسل والتشفع والاستغاثة كلها بمعنى واحد، وليس لها في قلوب المؤمنين معنى إلا التبرك بذكر أحباء الله تعالى، لما ثبت أن الله يرحم العباد بسببهم سواء كانوا أحياءً أو أمواتًا، فالمؤثر والموجد حقيقة هو الله تعالى، وذكر هؤلاء الأخيار سبب عادي في ذلك التأثير، وذلك مثل الكسب العادي فإنه لا تأثير له) (46).
ويدعي السمنودي - كأسلافه السابقين - عدم التفريق في التوسل بين أن يكون بلفظ التوسل، أو الاستغاثة أو التوجه.. ما دام أن الاستغاثة بالأنبياء والصالحين ليس لها معنى إلا طلب الغوث حقيقة من الله ومجازًا بالتسبب العادي(47).
ويطنب الدجوي في هذه المسألة، فيجوّز التوسل والاستغاثة بالأموات إذا كان من فعلها يسند الخلق إلى الله وحده.. ولو أسند شيئًا لغير الله فإن ذلك يحمل على الإسناد المجازي لا الحقيقي..، فلا تفرقة - إذن - بين الأحياء والأموات في هذا المقام، بل إن حصر التوسل في الحي دون الميت أقرب إلى وقوع الناس في الشرك.
يقول الدجوي: (لا أدري كيف يكفرون من يقول: إن الله خالق كل شيء، وبيده ملكوت كل شيء وإليه يرجع الأمر كله، والمتوسل ناطق بهذا في توسله. فإن المتوسل إلى الله بأحد أصفيائه قائل أنه لا فاعل إلا الله، ولم ينسب إلى من توسل به فعلًا ولا خلقًا، وإنما أثبت له القربة والمنزلة عند الله.. حتى أننا لو رأيناه أسند شيئًا لغير الله تعالى، علمنا بمقتضى إيمانه أنه من الإسناد المجازي، لا الحقيقي كقولهم أنبت الربيع البقل)(48).
ويقول في موضع آخر: ويدعي الزهاوي تجويز العلماء الأجلاء الاستغاثة بالرسول صلى الله عليه وسلم فيقول: (وقد جوّز العلماء الاستغاثة والتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإطلاق لفظ الاستغاثة على من يحصل منه غوث ولو تسببًا وكسبًا أمر نطقت به اللغة، وجوّزه الشرع..)(49).
ويجوّز الزهاوي الاستغاثة بالموتى، لأن الموتى لهم حياة وسماع مثل الأحياء، فيقول: (لا يقال: إن حياة الأنبياء والشهداء غير الحياة الدنيوية، فلا تنطبق هذه على تلك، لأنا نقول لو سلمنا أن تلك الحياة ليست من نوع الحياة الدنيوية، فمجرد ثبوت الحياة لهم أي حياة كانت، كاف لثبوت السماع لهم وتجويز التوسل والاستغاثة بهم..)(50).
ويبيح الدجوي الاستغاثة بغير الله من الموتى والغائبين، ويذكر المسوّغات لتجويز دعواه فيقول: (فالمستغيث لا يعتقد أن المستغاث به من الخلق مستقل في أمر من الأمور غير مستمد من الله تعالى، أو راجع إليه. وذلك شيء مفروغ منه، ولا فرق في ذلك بين الأحياء والأموات، فإن الله خالق كل شيء..)(51).
كما يدعي الدجوي أيضًا عدم الفرق بين الأحياء، والأموات، لأن الأموات لهم حياة مثل الأحياء، فيقول: (لا فرق بين الحي والميت، فإن منزلته ميتًا كمنزلته حيًا؛ لأن الفاعل حقيقة هو الله.. كما أن الأرواح بعد موتها باقية مدركة فاهمة على نحو ما كانت عليه في حياتها أو أشد، ولذلك يتساءلون عن الأحياء، ويفرحون، ويحزنون بما يكون منهم..)(52).
ويسوّغ محمد حسنين مخلوف الاستغاثة بالرسول فيقول: (الدعاء بنحو أغثني أو أعني يا رسول الله ليس توسلًا ممنوعًا بل هو جائز سائغ، فإن الاستغاثة طلب الغوث والتخلص من البلية. وهذا كما يسند إلى الله تعالى، يسنده إلى غيره.. وكذلك الاستعانة فإنها طلب المعونة من الغير، وهي من الله تعالى خلق الفعل في العبد، ومن العباد المشاركة في الفعل ليسهل..)(53).
ويقول مخلوف: (إن الاستغاثة تستعمل تارة في طلب الإغاثة بمعنى خلق التخلص من البلية وهذا مختص به تعالى، وتارة في طلب الإغاثة بمعنى السعي في التخلص من الشدة وهذا المعنى يصح إسناده إلى العباد)(54. (55)
الفرق بين التوسل والاستغاثة عند أهل السنة:
إذا كان أهل البدعِ لا يفرّقون بين التوسل والاستغاثة، فإن أئمة السنة وأهل الحق يفرقون بين التوسل والاستغاثة، فهذا ابن مجدد القرون الأخيرة الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب يبين الفرق بين التوسل والاستغاثة فيقول: (وبينهما فرق عظيم أبعد ما بين المشرق والمغرب.. فالعامة الذين يتوسلون في أدعيتهم بالأنبياء والصالحين كقول أحدهم أتوسل إليك بنبيك أو بملائكتك أو بالصالحين أو بحق فلان وغير ذلك مما يقولونه في أدعيتهم يعلمون أنهم لا يستغيثون بهذه الأمور ولا يسألونها وينادونها فإن المستغيث بالشيء طالب منه سائل له، والمتوسل به لا يدعو ولا يطلب منه، ولا يسأل وإنما يطلب به، وكل أحد يفرق بين المدعو به وبين المدعو والمستغاث، ولا يعرف في لغة أحد من بني آدم أن من قال أتوسل إليك برسولك أو أتوجه إليك برسولك فقد استغاث به حقيقة فإنهم يعلمون أن المستغاث به مسئول مدعو فيفرقون بين المسئول وبين المسئول به، سواء استغاث بالخالق أو بالمخلوق)(555).
كما يوضح الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب الفرق بينهما فيقول: (واعلم أن التوسل بذات المخلوق أو بجاهه غير سؤاله ودعائه، فالتوسل بذاته أو بجاهه أن يقول: اللهم اغفر لي وارحمني، وأدخلني الجنة بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم، أو بجاه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، ونحو ذلك فهذا بدعة ليس شرك، وسؤاله ودعاؤه هو أن يقول: يا رسول الله أسألك الشفاعة وأنا في كرب شديد، فرج عني، واستجرت بك من فلان فأجرني ونحو ذلك، فهذا كفر وشرك أكبر ينقل صاحبه من الملة؛ لأنه صرف حق الله لغيره؛ لأن الدعاء عبادة لا يصلح إلا لله، فمن دعاه فقد عبده، ومن عبد غير الله فقد أشرك، والأدلة على هذا أكثر من أن تحصر، وكثير من الناس لا يميز ولا يفرق بين التوسل بالمخلوق أو بجاهه، وبين دعائه وسؤاله فافهم ذلك)(56).
ويرد الشيخ عبد الرحمن بن حسن على هؤلاء المجوزين للشرك باسم التوسل، فيقول: (وليس عند هؤلاء الملاحدة ما يصدون به العامة عن أدلة الكتاب والسنة التي فيها النهي عن الشرك في العبادة إلا قولهم قال أحمد بن حجر الهيتمي، قال فلان، وقال فلان يجوز التوسل بالصالحين ونحو ذلك من العبارات الفاسدة. فنقول هذا وأمثاله ليسوا بحجة تنفع عند الله وتخلصكم من عذابه، بل الحجة ما في كتاب الله وسنة رسوله الثابتة عنه، وما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها، وما أحسن ما قال الإمام مالك رحمه الله، وكلما جاءنا رجل أجدل من رجل نترك ما نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم لجدله. إذا عرف ذلك فالتوسل يطلق على شيئين فإن كان ابن حجر وأمثاله أرادوا سؤال الله بالرجل الصالح فهذا ليس في الشريعة ما يدل على جوازه، فإن كان أرادوا بالتوسل دعاء الميت والاستشفاع به فهذا هو شرك المشركين بعينه، والأدلة على بطلانه في القرآن كثيرة جدًا)(57).
ويبين الشيخ عبد الرحمن بن حسن ضلال داود بن جرجيس حيث خلط بين التوسل إلى الله بالموتى وبين الاستغاثة بالموتى، فكان مما قاله الشيخ رحمه الله: (فدخل عليه الضلال والخطأ من وجوه: منها أنه جعل المتوسل به بعد موته في دعاء الله مستغيثًا به، وهذا لا يعرف في لغة أحد من الأمم لا حقيقة ولا مجازًا مع دعواه الإجماع على ذلك، فإن المستغاث هو المسئول المطلوب منه لا المسئول به)(58).
ويوضح الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن الفرق بين مسألة الله بجاه الخلق، ومسألة الخلق ما لا يقدر عليه إلا الله، فيقول: (فاعلم أن مسألة الله بجاه الخلق نوع، ومسألة الخلق ما لا يقدر عليه إلا الله نوع آخر، فمسألة الله بجاه عباده منعها أهل العلم، ولم يجزها أحد ممن يعتد به، ويقتدي به كالأئمة الأربعة، وأمثالهم من أهل العلم والحديث، إلا أن ابن عبد السلام أجاز ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وقيده بثبوت صحة الحديث الذي جاء في ذلك وهو حديث الأعمى الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ادع الله يا محمد.. الحديث.
قال ابن عبد السلام إن صح الحديث فيجوز بالنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، والحديث في سنده من لا يحتج به عند أهل العلم كما لا يخفى على أهل الصناعة. إلى أن قال الشيخ عبد اللطيف: وبالجملة فهذه المسألة نوع، ولا يخرج بها الإنسان عن مسألة الله، وإنما الكلام في سؤال العباد وقصدهم من دون الله، فسؤال العباد والاستعانة بهم فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك جلي، ولو قال يا ولي الله اشفع لي فإن السؤال محرم، وطلب الشفاعة منهم يشبه قول النصارى يا والدة الإله اشفعي لنا إلى الإله)(59).
وبهذا يعلم أن هناك توسلًا شرعيًا، توسلًا بدعيًا محرمًا، وأن التوسل عند عباد القبور هو بمعنى دعاء الموتى والاستغاثة بهم. وكذلك ندرك خطأ ما ذكره هؤلاء الخصوم بأن لفظ التوسل بمعنى الاستغاثة، وكذلك بمعنى الالتجاء، وغيرها من الألفاظ التي أوردوها بقصد التمويه والتلبيس، وتزيين الشرك بأسماء ينخدع بها عامة الناس، لذا يقول أبو بطين رحمه الله: (ولما علم الشيطان أن كل من قرأ القرآن، أو سمعه ينفر من الشرك، ومن عبادة غير الله ألقى في قلوب الجهال أن هذا توسل، وتشفع بهم، والتجاء إليهم ونحو ذلك فسلب العبادة والشرك اسمهما من قلوبهم، وكساهما أسماء لا تنفر عنها القلوب)(60).
ولكن تغيير الأسماء لا يغير الحقائق، الحكم يدور مع الحقيقة وجودًا وعدمًا، وليس مع الأسماء والألفاظ، لذا قال الشيخ ابن سحمان رحمه الله: (فإنه من المعلوم عند كل عاقل أن حقائق الأشياء لا تتغير أسمائها، فلا تزول هذه المفاسد بتغير أسمائها، كتسمية عبادة غير الله توسلًا وتشفعًا، أو تبركًا وتعظيمًا للصالحين وتوقيرًا، فإن الاعتبار بحقائق الأمور، لا بالأسماء والاصطلاحات والحكم يدور مع الحقيقة، وجودًا وعدمًا لا مع الأسماء..)(61).
وأما دعواهم بعدم الفرق بين التوسل والاستغاثة بالأحياء وبين التوسل والاستغاثة بالأموات؛ لأنه ليس للميت ولا للحي تأثير أو فعل؛ لأن الفاعل - حقيقة - هو الله وحده، وإن وجد في كلام العامة بعض (الألفاظ الموهمة) التي توهم إسناد الفعل إلى الأموات، فلا جناح عليهم؛ لأن هذا الإسناد إسناد مجازي لا حقيقي، هذه هي دعواهم، فأما الرد عليهم فيكون على النحو التالي: يبين الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين بطلان دعواهم بأن الطلب من الأموات من باب التسبب، فيقول: (نحن لا ننكر إضافة الأشياء إلى أسبابها، ولكن الله سبحانه هو خالق الأسباب والمسببات، ولا يلزم من ذلك أن نعتمد على الأسباب، فضلًا عن أن نسألها ونرغب إليها وهي مخلوقة، بل يتعين على العباد أن يعتمدوا على خالق الأسباب ويرغبوا إليه، ويستعينوا به ويعبدوه وحده، إياك نعبد وإياك نستعين).
نسأل الله أن يهدي ضالنا ويعصمنا من مضلات الفتن، ويرزقنا الإخلاص في الأقوال والأعمال.
 

========================

([1]) تفسير ابن كثير، (2/53-54).

([2]) رواه الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب منه، (2516)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، (2516).

([3]) أضواء البيان، الشنقيطي، (6/128).

([4]) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب البيوع، باب باب إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه فرضي، (2102)، ومسلم، كتاب الرقائق، باب  قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل بصالح الأعمال، (7127).

([5]) فتاوى الشيخ ابن باز، (7/129-130).

([6]) فتاوى نور على الدرب، (1/356).

([7]) رواه مسلم، كتاب الجنائز، باب من صلى عليه أربعون شفعوا فيه، (2242).

([8]) رواه مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، (4310).

([9]) رواه البخاري، كتاب الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا، (964).

([10]) مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين، (2/274).

([11]) كتاب التوسل، ص(68-93).

([12]) مجموع الفتاوى، (27/71).

([13]) الجواب الصحيح، (5/187).

([14]) مجموع الفتاوى، (1/351-352).

([15]) رواه أحمد، (9688)، وقال شعيب الأرنؤوط في تحقيق المسند: إسناده على شرط مسلم.

([16]) مجموع فتاوى ابن باز، (6/367).

([17]) مجموع فتاوى ابن باز، (16/105).

([18]) سبق تخريجه.

([19]) انظر: ابن تيمية، الرد على البكري، ص(88)، سليمان بن عبد الوهاب، تيسير العزيز الحميد، ص(214-215) ابن سعدي، القول السديد، ص(48-49).

([20]) صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، (810).

([21]) مجموع فتاوى ابن تيمية، (11/433-444) باختصار.

([22]) رواه الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه، (2969)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، (2590).

([23]) روح المعاني، (11/ 98).

([24]) جامع كرامات الأولياء، (2/33).

([25]) المصدر السابق، (1/318).

([26]) الرسالة القشيرية، ص(9)، قلادة الجواهر، ص(437).

([27]) الرسالة القشيرية، ص(171).

([28]) لطائف المنن، ص(198).

([29]) طبقات الشعراني، (2/96 و105)، وجامع كرامات الأولياء، (2/115).

([30]) جامع كرامات الأولياء، (2/117).

([31]) شرح جوهرة التوحيد، الشيخ إبراهيم الباجوري، ص(153)، ط دار الكتب العلمية - بيروت 1983م.

([32]) لطائف المنن، (232).

([33]) رواه الترمذي، كتاب الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى يخرج كذابون، (2219)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، (2219).

([34]) الرسالة القشيرية، ص(145).

([35]) المصدر السابق، ص(125).

([36]) المصدر السابق، ص(90).

([37]) المصدر السابق، ص(100).

([38]) إزهاق الباطل، محمد بن عبد الوهاب بن داود الهمداني، ق(62).

([39]) لفحات الوجد على فعلات أهل نجد، ق(26).

([40]) المنحة الوهبية في الرد على الوهابية، ص(25)، باختصار.

([41]) المرجع السابق، ص(15).

([42]) المرجع السابق، ص(25) بتصرف.

([43]) المرجع السابق، ص(2-3) باختصار.

([44]) إظهار العقوق في الرد على منع التوسل إلى الله تعالى بالنبي والولي الصدوق، ط1، مطبعة التقدم، مصر، 1327هـ، ص(48).

([45]) الدرر السنية في الرد على الوهابية، ص(14).

([46]) انظر: سعادة الدارين، (1/207).

([47]) مجلة نور الإسلام، م1، مقال حكم التوسل بالنبي، ص(588).

([48]) الفجر الصادق، ص(54).

([49]) المرجع السابق، ص(68).

([50]) المقالات الوفية، ص(223-224) بتصرف يسير.

([51]) المرجع السابق.

([52]) رسالة في حكم التوسل بالأنبياء والأولياء، ص(173)، بتصرف يسير.

([53]) المرجع السابق، ص(175).

([54]) اقتصرنا على هذا الجزء خوفًا من الإطالة، ومن أراد مزيد توضيح في هذه النقطة فليراجع رسالة دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب للشيخ عبد العزيز آل عبد اللطيف متوفرة للتحميل على الرابط التالي:

http://www.saaid.net/book/open.php?cat=1&book=597

([55]) مجموعة الرسائل والمسائل، (1/70).

([56]) الدرر السنية، (9/234).

([57]) المرجع السابق، (2/112-113).

([58]) القول الفصل النفيس، ص(143).

([59]) البراهين الإسلامية في رد الشبه الفارسية، ق(48،49).

([60]) الانتصار، ص(13).

([61]) الضياء الشارق ص(182).