www.alsoufia.com/main">

 
 

مصطفى محمود

"خِـرقة التصوف" من أبرز شعائر الطُّرُقيين، يعظمونها أيَّما تعظيم، ويحتفون بها احتفاءً كبيرًا، بل ويَرَوْن فيها سرًّا مودعًا، ويجعلون لها شرائطَ وحقوقًا، ويُغالُون في أمرها مغالاةً فاحشةً. وهي في أول أمرها وآخره لا تعدو أن تكون مجرد قطعةِ ثيابٍ مُمزَّقة رغم ما أسبغوه عليها من هالاتٍ قُدُسية وأباطيل لا تثبُتُ أمام النقد العلمي الدقيق.
وفي هذه السطور نسعى إلى الوقوف على معنى الخِـرقة وبعض أحكامها وأهميتها لدى المتصوفة، وصولاً إلى نسبتها كذبًا وزورًا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو بعض أصحابه رضوان الله عليهم.
"الخرقة" في اللغة واصطلاح الصوفية:
الخِرْقَةُ -بالكسر وسكونِ الراء المهملة- في اللغة هي القعطةُ منَ الثَّوْبِ المُمَزَّق(1).
وقطعةُ الثوب الممزَّقة هذه باتتْ عند أربابِ الطُّرق الصوفية شعارًا لهم "يُلبسها الشيخُ مريدَه علامةَ التفويض والتسليم، ولا يمنحُها إياه إلا بعد أن يقضيَ مرحلةً رياضيةً خاصة"(2).
أما الخرقة في الاصطلاح الصوفي فهي "ما يلبسُه المريدُ من يدِ شيخه الذي يدخُلُ في إرادته ويتوبُ على يده"(3).
ويعرِّفُها بعضُ مشايخ الطرق بأنها "ما يعطيه الأستاذ لمريده بعد كماله من تاج، وجبة، وقميص، وسجادة، وإبريق، وسُبحة، وغير ذلك"(4).
وهذا التعريف يدور حول المعنى الحسي للخرقة دون أن يقف بها عند حد قطعة الثوب الممزقة، بل يتجاوز ذلك إلى كل ما يسبغُه الشيخُ على مريده من سجادة، وإبريق، وسُبحة، وغير ذلك.
لكن -مع ذلك- يذهبُ بعضُ الباحثين إلى أن الخرقة لدى الصوفية "رمزٌ ، ولا تُرى عادةً عياناً ، ولا يلزم ظهورُها عياناً"(5).
أنواع الخرقة:
والخِـرْقَة عند الصوفية نوعان(6):
(1) خرقة الإرادة والتصرّف: وهي التي يُلبسها الشيخُ لمريده بعد إتمام تربيته، ولا تكون إلا للمريد الحقيقي.
(2) خرقة التبرك والتشبُّه: وهي دون الأولى وإنما تعطى للمُتشبِّه بحال القوم، أو لضعيف الحال على سبيل التبرك، وتكون في بداية سير السّالك يلبسُها لكي تحجزه عن المعاصي ببركتها – زعموا-. و والمريد هنا يسمى مريدا رسميا لا حقيقيًّا.
ولُبْسُ الخرقة، كما يقول شيخُهم الشعراني، "ممنوعٌ إلا للصادق الراغب؛ لأنه لا يصلح لخرقة الإرادة غيرُه, وضعيفُ الحال له خرقةُ التبرك، حيث تشبَّه بهم"(7).
وقد وصل "عَدَدُ الْخِرَقِ عِنْدَ مُتَأَخِّرِي الْمِلَّةِ الصُّوفِيَّةِ إِلَى سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ خِرْقَةً أَوْ تَزِيد ، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا اسْمٌ خَاصٌّ بِهَا، مُشْتَقٌّ مِنْ اسْمِ أَوَّلِ مِنَ لَبَسَهَا ، كَالْخَضِرِيَّةِ وَالإِلْيَاسِيَّةِ وَالْبَكْرِيَّةِ وَالْعُمَرِيَّةِ وَالْعَلَوِيَّةِ وَالسُّلَيْمَانِيَّةِ وَالْجُنَيْدِيَّةِ وَالأَدْهَمِيَّةِ وَالسُّفْيَانِيَّةِ ، وَإِنْ كَانَ أَوَّلَ مِنَ لَبَسَهَا عِفْرِيتٌ مِنَ الْعَفَارِيتِ الزُّرْقِ ، أَوْ جِنِّيٌّ مِنْ مُلُوكِ الْجِنِّ الْحُمْرِ ، أَوْ مَجْهُولٌ مِنْ رِجَالِ الْعَوَالِمِ الْخَفِيَّاتِ ، أَوْ امْرَأَةٌ مِنْ الْعَاشِقَاتِ الْوَالِهَاتِ ، سُمِّيتْ الْخِرْقَةُ بِاسْمِهِ ، وَتَشَكَّلَتْ بِرَسْمِهِ وَوَسْمِهِ ، كَالشَّمَهْرُوشِيَّةِ وَالْعِفْرِيتِيَّةِ وَالْجِنِّيَّةِ وَالْعَدَوِيَّةِ"(8).
لُبْس الخرقةِ وأحكامُها:
ولُبْسُ الخرقة لدى الصوفية ليس مجرد خلعة يخلعها الشيخُ على مريده أو الأستاذُ على تلميذه، وإنما الأمر عندهم أكبرُ من ذلك، فهو "ارتباطٌ بين الشيخ وبين المريد، وتحكيمٌ من المريد للشيخ في نفسه، وفيها معنى المبايعة، وهي عتبةُ الدخول في الصحبة، وبالصحبة يُرجى للمريد كل الخير، ويأخذ الشيخ على المريد عهدُ الوفاء بشرائط الخرقة، ويعرِّفُه حقوقَها"(9).
فللخِرقة إذن شرائطُ وحقوقٌ ينبغي على المتسربل بها أن يكون على علم بشرائطها حتى لا يَخرِمُها، وأن يؤديَ حقوقَها حتى لا يعد خائنًا لـ "عهد الوفاء" المزعوم.
وللخرقةِ عند أرباب الطريق حكمانِ: أولهما حسي، والآخر معنوي. "فالحسي : هو عبارة عن التزيي بزي الشيخ الذي ينتمي إليه المريد ، تحققاً بمحبته، وتشبهاً به لاعتقاده أنه من الصالحين ... وأما المعنوي ... حقيقته: التزيي بزي المرشد في الأفعال والأحوال، وقد وصفوا هذا الأمر بوصف الكسوة ، وعظموا شأنه وجعلوه كالمحسوس، وأتبعوه بالمحسوس أيضاً ، ليتعين عند من سلك طريق القوم أن يتزيَّا صاحبُهم بزيهم ، فمتى تزيَّا بزيهم ترتب عليه العمل بأعمالهم ، والتخلق بأخلاقهم ، والوقوف معهم في أحوالهم ..."(10).
وقد أفاض القاشاني(11) في ذكر الأمور التي لأجلها تُلبس خرقة التصوف، وهي:
- التَّزيِّي بزيِّ المرادِ ليتلبَّسَ باطنُه بصفاته، كما يُلبَّس ظاهرُه بلباسه وهو لباس التقوى ظاهراً وباطناً. قال الله تعالى : ( قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُواري سَوْآتِكُمْ وَريشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ )(سورة الأعراف/26) .
- وصولُ بركةِ الشيخ الذي لبَّسَه من يده المباركة إليه.
- نيْلُ ما يغلُبُ على الشيخ في وقت الإلْباس من الحال الذي يَرَى الشيخُ ببصيرته النافذة، المنوَّرةِ بنور القُدُس، أنه يحتاج إليه لرفع حُجُبه العائقة، وتصفية استعداده. فإنه إذا وقف على حال مَن يتوبُ على يده، علِمَ بنور الحق ما يحتاجُ إليه. فيسْتَنْـزِلُ من الله ذلك حتى يتَّصفَ قلبُه به فيَسْري من باطنه إلى باطن المريد.
- المواصلةُ بينه وبين الشيخ، فيَبقى بينهما الاتصال القلبي والمحبة دائماً، ويَذكُرُ الاتِّباعَ على طول الأوقات في طريقته وسيرته وأخلاقه وأحواله حتى يبلغ مبلغ الرجال، فإنه أب حقيقي، كما قال عليه الصلاة والسلام: «الآباء ثلاثة أب ولدك وأب علمك وأب رباك»(12).
فالخرقةِ عند القوم ليستْ مجردَ قطعة ثوب يخلعها الشيخ على المريد، بل الأمر يتعدَّى ذلك إلى تطهير باطن المريد، ووصول بركة الشيخ إليه، وانتقال حال الشيخ إليه أيضًا، ثم هي تُديم الاتصال القلبي والمحبة بين الشيخ والمريد، وتذكِّر التلميذَ دائمًا بالمحافظة على أحوالِ أستاذه. وإن الإنسان ليعجب أن تكون لقطعة ثياب ممزقة مثل هذا الفضل ومثل تلك القدرة على فعل كل هذه الأمور، ولا يملك إزاء هذا إلا أن يؤكد موقنًا أن هذا كله كلامٌ باطلٌ ليس عليه دليل من كتاب الله تبارك وتعالى، أو سنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم. وما هي إلا حبائلُ الشيطان وفخاخُه ينصبُها لهؤلاء القوم المفتونين بتلك الخرقة التي ليس لها أي فضل، ولا يعرف لها أي أصل في دين الله عز وجل، وذلك بُغيةَ إغوائهم وإضلالهم عن الحق وعن صراط الله المستقيم.
ويستغل مشايخ الطرق الصوفية خدعة الخرقة هذه لأجل إحكام قبضتهم على المريدين؛ فلا يكون للمريد المتسربل بهذه الخرقة أيُّ إرادة أو رأي أو عقل مع شيخه. ويصبح الأمر على ما صوَّره أحدُ الباحثين حين قال: "عندما يخلع الشيخ الخرقة على المريد: يعتبر ذلك رمزاً على أن المريد قد انخلع من إرادة نفسه، وفني في الشيخ، ولم يعد له في نفسه اختيار"(13). أو كما صوَّره آخر: "ويكون للشيخ بنفوذ بصيرته الإشراف على البواطن"(14).
فنحن هنا أمام رمزٍ صوفيٍّ شديدِ الخطورة يسيطر على عقول هؤلاء الناس ويجعل فئةً منهم تتحكم تحكمًا تامًّا في إرادة المجموع الكبير من المريدين المنساقين على غير هدى وراء إضلال هؤلاء المشايخ وأباطيلهم.
أصلُ الخِـرقة عند الصوفية:
وقد اجتهد أربابُ الطرق الصوفية أيَّما اجتهادٍ لإيجاد أصلٍ ومرجع لخرقتهم، حتى وإن دفعهم ذلك دفعًا إلى الكذب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأصحابه الكرام رضوان الله عليهم. بل وعلى الله عز وجل، تعالى الله عما يقولون عُلوًّا كبيرًا.
وهم ينسبون(15) أمر الخرقة في الغالب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأحيانًا ينسبونها إلى بعض الصحابة الآخرين كأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس وأبو الدرداء رضي الله عنهم أجمعين. بل يبالغون أحيانًا ويرفعون أمر الخرقة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، زاعمين أن جبريل عليه السلام ألبسه إياها، وأنه عليه الصلاة والسلام ألبسها أصحابه رضوان الله عليهم.
يقول الشوكانيُّ رحمةُ الله عليه في شأن حديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ألبس الخرقة على الصورة المتعارفة عند الصوفية:
"باطل لا أصل له ، قال ابنُ حجر: لم يرِدْ في خبرٍ صحيحٍ ولا حسَنٍ ولا ضعيفٍ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ألبس الخرقةَ على الصورة المتعارفة بين الصوفية أحداً من أصحابه، ولا أمر أحداً من أصحابه يفعلُ ذلك، وكل ما يُروى من ذلك صريحًا فهو باطل .
وقال: مِن المفترى أن عليًّا ألبس الخرقة الحسن البصري ؛ لأن أئمة الحديث لم يثبتوا للحسن مِن علي سماعا ، فضلا عن أن يُلبسَه الخرقة .وقد صرح بمثل ما ذَكَر ابنُ حجر جماعةٌ من الحفاظ كالدمياطي ، والذهبي ، وابنِ حبان ، والعلائي ، والعراقي ، وابن ناصر"(16) أ.هـ.
وقد سُئل شيخُ الإسلام ابنُ تيمية، عليه سحائبُ الرحمة وشآبيبُ المغفرة، عن جَمَاعَةٍ يَجْتَمِعُونَ فِي مَجْلِسٍ وَيُلَبِّسُونَ لِشَخْصِ مِنْهُمْ لِبَاسَ " الْفُتُوَّةِ " وَيُدِيرُونَ بَيْنَهُمْ فِي مَجْلِسِهِمْ شَرْبَةً فِيهَا مِلْحٌ وَمَاءٌ يَشْرَبُونَهَا وَيَزْعُمُونَ أَنَّ هَذَا مِنْ الدِّينِ وَيَذْكُرُونَ فِي مَجْلِسِهِمْ أَلْفَاظًا لَا تَلِيقُ بِالْعَقْلِ وَالدِّينِ . فَمِنْهَا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ؛ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْبَسَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِبَاسَ الْفُتُوَّةِ ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يُلْبِسَ مَنْ شَاءَ ..."؛ فأجاب(17) –طيَّبَ الله ثراه- بما ملخصه: "هَذَا بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَلَمْ يَفْعَلْ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ . لَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَلَا غَيْرُهُ وَلَا مِنْ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ ... فَإِنَّ الْعَالِمِينَ بِسُنَّتِهِ وَأَحْوَالِهِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ هَذَا مِنْ الْكَذِبِ الْمُخْتَلَقِ عَلَيْهِ وَعَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ...".
وعرَّج شيخُ الإسلام في فتواه على استدلال الصوفية بقوله تبارك وتعالى من سورة الأعراف (آية 26) { قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُواري سَوْآتِكُمْ وَريشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ }، فقال رحمة الله عليه: "اللِّبَاسُ الَّذِي يُوَارِي السَّوْأَةَ هُوَ كُلُّ مَا سَتَرَ الْعَوْرَةَ مِنْ جَمِيعِ أَصْنَافِ اللِّبَاسِ الْمُبَاحِ . أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً وَيَقُولُونَ : ثِيَابٌ عَصَيْنَا اللَّهَ فِيهَا لَا نَطُوفُ فِيهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ وَأَنْزَلَ قَوْلَهُ : { خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } . وَالْكَذِبُ فِي هَذَا أَظْهَرُ مِنْ الْكَذِبِ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ لِبَاسِ الْخِرْقَةِ وَأَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَاجَدَ حَتَّى سَقَطَتْ الْبُرْدَةُ عَنْ رِدَائِهِ وَأَنَّهُ فَرَّقَ الْخِرَقَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَأَنَّ جِبْرِيلَ أَتَاهُ وَقَالَ لَهُ : إنَّ رَبَّك يَطْلُبُ نَصِيبَهُ مِنْ زِيقِ الْفَقْرِ وَأَنَّهُ عَلَّقَ ذَلِكَ بِالْعَرْشِ . فَهَذَا أَيْضًا كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجْتَمِعْ هُوَ وَأَصْحَابُهُ عَلَى سَمَاعِ كَفٍّ وَلَا سَمَاعِ دُفُوفٍ وَشَبَّابَاتٍ وَلَا رَقْصٍ وَلَا سَقَطَ عَنْهُ ثَوْبٌ مِنْ ثِيَابِهِ فِي ذَلِكَ وَلَا قَسَمَهُ عَلَى أَصْحَابِهِ وَكُلُّ مَا يُرْوَى مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ كَذِبٌ مُخْتَلَقٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِسُنَّتِهِ".
وقال شيخ الإسلام أيضًا في سياق جوابه: "لُبْسُ عُمَرَ لِلْخِرْقَةِ وَإِلْبَاسُهُ وَلُبْسُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْخِرْقَةِ وَإِلْبَاسُهُ يَعْرِفُ كُلُّ مَنْ لَهُ أَدْنَى مَعْرِفَةٍ أَنَّهُ كَذِبٌ" أ. هـ.
وقال في موضع آخر: "وَأَمَّا لِبَاسُ الْخِرْقَةِ الَّتِي يُلْبِسُهَا بَعْضُ الْمَشَايِخِ الْمُرِيدِينَ : فَهَذِهِ لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَيْهَا الدَّلَالَةَ الْمُعْتَبَرَةَ مِنْ جِهَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَا كَانَ الْمَشَايِخُ الْمُتَقَدِّمُونَ وَأَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ يُلْبِسُونَهَا الْمُرِيدِينَ . وَلَكِنْ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ رَأَوْا ذَلِكَ وَاسْتَحَبُّوهُ ... "(18).
ويستدلُّ بعضُ المتصوفة على أمر الخرقة بما رواه الإمام البخاريُّ في صحيحه عن أُمَّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ العاص قَالَتْ: أُتِىَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِثِيَابٍ فِيهَا خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ قَالَ « مَنْ تَرَوْنَ نَكْسُوهَا هَذِهِ الْخَمِيصَةَ » . فَأُسْكِتَ الْقَوْمُ . قَالَ: « ائْتُونِى بِأُمِّ خَالِدٍ » . فَأُتِىَ بِى النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَلْبَسَهَا بِيَدِهِ وَقَالَ « أَبْلِى وَأَخْلِقِى » . مَرَّتَيْنِ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَلَمِ الْخَمِيصَةِ ، وَيُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَىَّ وَيَقُولُ « يَا أُمَّ خَالِدٍ هَذَا سَنَا » . وَالسَّنَا بِلِسَانِ الْحَبَشِيَّةِ الْحَسَنُ.
وَيستدلُّون كذلك بِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه في صحيح البخاري أيضًا، قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ بِبُرْدَةٍ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى نَسَجْتُ هَذِهِ بِيَدِى أَكْسُوكَهَا . فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مُحْتَاجًا إِلَيْهَا ، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا لإِزَارُهُ ، فَجَسَّهَا رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اكْسُنِيهَا . قَالَ « نَعَمْ » . فَجَلَسَ مَا شَاءَ اللَّهُ فِى الْمَجْلِسِ ، ثُمَّ رَجَعَ ، فَطَوَاهَا ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ . فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ مَا أَحْسَنْتَ ، سَأَلْتَهَا إِيَّاهُ وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ لاَ يَرُدُّ سَائِلاً . فَقَالَ الرَّجُلُ وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهَا إِلاَّ لِتَكُونَ كَفَنِى يَوْمَ أَمُوتُ . قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ .
وقد أجاب شيخُ الإسلام ابن تيمية أيضًا عن هذين الاستدلالين بما لا مَزيدَ عليه، حيث قال: "وَلَيْسَ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ . فَإِنَّ إعْطَاءَ الرَّجُلِ لِغَيْرِهِ مَا يَلْبَسُهُ كَإِعْطَائِهِ إيَّاهُ مَا يَنْفَعُهُ وَأَخْذُ ثَوْبٍ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى وَجْهِ الْبَرَكَةِ كَأَخْذِ شَعَرِهِ عَلَى وَجْهِ الْبَرَكَةِ وَلَيْسَ هَذَا كَلِبَاسِ ثَوْبٍ أَوْ قَلَنْسُوَةٍ عَلَى وَجْهِ الْمُتَابَعَةِ وَالِاقْتِدَاءِ ؛ وَلَكِنْ يُشْبِهُ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ خُلَعُ الْمُلُوكِ الَّتِي يَخْلَعُونَهَا عَلَى مَنْ يُوَلُّونَهُ كَأَنَّهَا شِعَارٌ وَعَلَامَةٌ عَلَى الْوِلَايَةِ وَالْكَرَامَةِ ؛ وَلِهَذَا يُسَمُّونَهَا تَشْرِيفًا . وَهَذَا وَنَحْوُهُ غَايَتُهُ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ جِنْسِ الْمُبَاحَاتِ ؛ فَإِنْ اقْتَرَنَ بِهِ نِيَّةٌ صَالِحَةٌ كَانَ حَسَنًا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ وَأَمَّا جَعْلُ ذَلِكَ سُنَّةً وَطَرِيقًا إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ"(19).
وبهذا يتضح لكل مَن لديه مِسْكةٌ مِن عقل أن ما يدعيه المتصوفةُ من نسبة هذه الخرقة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو أحدٍ من أصحابه، خاصةً عليَّ بنَ أبي طالب، رضوان الله عليهم أجمعين، كل هذا من أكذب الكذب وأشنعِه، وفي هؤلاء الكَذَبَةِ الوضاعين وأمثالهم يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: « مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ »(20)، ويقول أيضًا: « لا تَكْذِبُوا عَلَيَّ ، فَإِنَّهُ مَنْ يَكْذِبْ عَلَيَّ يَلِجِ النَّارَ »(21).
وقد أطال شيخ الإسلام النفَس جدا في مواضع مختلفة من مجموع الفتاوى في تفنيد خرقة التصوف وإثبات بطلان ما يستدلون به على مشروعيتها؛ إذ بثبوت ذلك ينهدم بنيان القوم وتتمزق خِرقتُهم، ويتضح لكل ذي عينيْن جليًّا أنها ليست من دين الله في شيء وإنما هي أكذوبة ومحض اختراع من لدن القوم ليلبِّسوا على الناس أمرَ دينهم، ويوغلوا في ضلالهم وإغوائهم، ويُحكِمُوا الاستحواذ على عقولهم.
وحَرِيٌّ بجموع المتصوفة والطُّرُقيين أن يُعملوا ما وهبهم الله من عقول ويتفكروا في تلك الخرق البالية التي لا تجلبُ لهم منفعة، ولا يحصُلُ لهم بسببها بركةٌ ، ولا تحجُزُهم عن معصية، ولا تنقلُهم من حالٍ غير مرضية إلى أخرى خيرٍ منها ... وما أحراهم -عندئذٍ- أن يَنْزِعُوا عنهم تلك الخِرَقَ البالية وما علق بها من خُرافات وبدعيَّات وضلالات.
 

========================

[1] المعجم الوسيط، مادة ( خرق )- مجمع اللغة العربية في القاهرة.

[2] الموسوعة العربية الميسرة (ج 3/ص 1435) ، المكتبة العصرية (بيروت) الطبعة الثالثة (2010 م-1431هـ) .

[3] معجم اصطلاحات الصوفية ، كمال الدين القاشاني (ص 178) طـ دار المنار بالقاهرة (1413 هـ - 1992 م).

[4] هكذا عرفها الشيخ سليمان بن يونس الخلوتي، كما جاء في "موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف" (ج7/ص61)

[5] الباحث محمد غازي عرابي في كتابه "النصوص في مصطلحات التصوف"، (ص 114 – 115).

[6] يراجع معجم مصطلحات الصوفية، د. عبد المنعم الحفني، دار المسيرة (بيروت)، ص 89. ويراجع أيضًا كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، التهانوي، (1/ 742). مكتبة لبنان ناشرون – بيروت، الطبعة: الأولى - 1996م.

[7] نقلا عن "الكافي التابع للنور الشافي" لصاحبته نقشبندية الطريقة "درية خليل الخرفان"، (ج2/288).

[8] من رسالة "التَّشَوُّفُ بِنَقْدِ أَسَانِيدِ وَرِوَايَاتِ خِرْقَةِ التَّصَوُّفِ" للشيخ أبي محمد الألفي (أحمد شحاتة)، والرسالة غير مطبوعة، لكن الشيخ نشرها على بعض مواقع الشبكة العنكبوتية.

[9] معجم مصطلحات الصوفية، د. عبد المنعم الحفني، دار المسيرة (بيروت)، ص 89.

[10] - رفرف العناية، الشيخ محمد مهدي الرواس ( ص 152 – 155).

[11] معجم اصطلاحات الصوفية، (ص178، 179)، الطبعة الثانية سنة 1388 هـ.

[12] هذا ليس من كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا هو موجود في دواوين السنة، وإنما أورده الغزالي في "منهاج المتعلم" من كلام بعضهم.

[13] هذا قول الباحث الباحث عبد الحميد فتاح، كما نقله سليمان سليم علم الدين في كتابه (التصوف الإسلامي) ص 121 (نقلا عن "موسوعة الكسنزان" ج 7/ص 62).

[14] معجم مصطلحات الصوفية، د. عبد المنعم الحفني، (ص 90).

[15] يراجع في هذا الأمر ما ورد في "موسوعة الكسنزان" ج (7/ ص 69)، وأيضًا ما سطره الشيخ أبو محمد الألفي (أحمد شحاتة) في رسالته الماتعة (التَّشَوُّفُ بِنَقْدِ أَسَانِيدِ وَرِوَايَاتِ خِرْقَةِ التَّصَوُّفِ).

[16] الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة، محمد بن علي بن محمد الشوكاني، (ص 228، 229)، المكتب الإسلامي الطبعة الثالثة (1407 هـ - 1987 م).

[17] تراجع فتوى شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى"  (ج 11/ من ص 85 إلى 105).

[18] مجموع الفتاوى (ج11/ 510، 511).

[19] السابق (ج 11، ص 511).

[20] حديث صحيح متواتر عن عدة من الصحابة رضي الله عنهم، وهو عند البخاري ومسلم وغيرهما .

[21] أخرجه الشيخان من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.